theme-sticky-logo-alt
theme-logo-alt
والدي رحمه الله

الورقة الثالثة علاقتي بوالدي

0 Comments

نشرت في 8/2/2022

 

لا بدّ لي من أخصّص إحدى أوراقي لرجل كان له أثر كبير على حياتي، بالرغم من قصر الفترة التي قضيتها معه وهي خمس سنين و10 أشهر فقط، فقد توفي والدي رحمه الله في 13 تشرين الثاني/ نوفمبر 1958، أي كان عمري عندئذ 5 سنين وعشرة أشهر.
بالطبع، فذاكرتي ضبابية عن تلك الفترة، وهي في الحقيقة محصورة في السنتين الأخيرتين عندما أصبحت مرافقاً لوالدي طوال الوقت. كان والدي متقاعداً، متفرغاً تماماً لي، يلاعبني في المنزل ويتحدث معي ويقص علي قصصاً كثيرة عن ذكرياته في الجيش التركي ونضاله ضد الفرنسيين وكيف قبض عليه ونفي وسجن، وعن كيفية سقوط الدولة العثمانية ومؤامرات الإنكليز على بلادنا وتقاسم الحلفاء تركة العثمانيين، الخ… كان يأخذني معه يومياً إلى قهوة بغداد في العزيزية حيث كان يجلس مع من بقي من رفاق له من الكتلة الوطنية، أمثال الدكتور عبد الرحمن الكيالي، والصحفي محمد طلس صاحب مطبعة وجريدة الشباب في الخمسينات، والصحفي والكاتب عبد الله يورغي حلاق صاحب مجلة الضاد الأدبية الحلبية ووالد الكاتب والأديب المعروف رياض حلاق، والدكتور كميل عيسى، والدكتور مصطفى العطار، والصحفي نقولا جانجي صاحب جريدة برق الشمال في حلب وعدد آخر من الشخصيات السورية من الوطنيين الذين شاركوا في النضال ضد الاستعمار الفرنسي.
كذلك كنت أصاحبه عندما كان يزور مع والدتي أصدقائهما في النضال أمثال ليون زمريا (صاحب بيت زمريا الذي أصبح مطعماً وفندقاً فيما بعد)، وميخائيل اليان، وإحسان الجابري، ونعيم انطاكي، وفي دمشق كنا نزور، الرئيس شكري القوتلي وخليل نبكي الصحفي رئيس مكتب وكالة الأنباء الإيطالية “أنسا”، وحسيب البكري وغيرهم…
بالطبع، خلال كل هذه الزيارات كان الحديث يدور عن السياسة في البلد والمنطقة وعن المشاكل المجتمعية والحلول المطروحة والمشاكل المعيقة …. كنت على صغر سني أجلس مستمعاً أحاول فهم ما يقال وربطه بما كان يقصه علي والدي في أوقاتنا الخاصة.

زيارة نوري السعيد في بغداد
أذكر بشكل خاص الرحلة الأخيرة التي سافرنا خلالها إلى العراق عام 1958 قبل أشهر قليلة من وفاة والدي، وكانت بدعوة من نوري السعيد رئيس الوزراء العراقي آنئذاك، فقد قال له على مائدة العشاء: “يا نوري باشا” أنتم تجلسون على رماد، فالجيش غير مرتاح، انتبهوا جيداً”، يومها عاتبته والدتي في الفندق (فندق بغداد على نهر دجلة) وقالت له ” يا جميل أنت ما حلوو دائماً تقول اللي بتفكر فيه، الرجل عامل من قيمتك وعيزمك، بتروح بتقللو هيك”، فقال لها ” يا “أمّي” – وكان هكذا يسميها – ما هنن عزموني ليسمعوا رأيي بصراحة وشفافية، ما تخافي نوري باشا بيعرفني كويس وأكيد ما انزعج. وعندما عدنا إلى حلب ونقل والدي لرفاقه ما قاله لنوري السعيد، قالوا له ما بتبطل فصولك. كان ذلك في شهر أيار من عام 1958، وفي شهر تموز قام عبد الكريم قاسم بانقلابه وقُتل الملك فيصل وسُحل نوري السعيد في شوارع بغداد، وتقاطروا أصدقاء والدي على المنزل مندهشين كيف أنه تنبأ بحدوث الانقلاب قبل شهرين فقط وحذر نوري السعيد على العشاء. وأذكر أنهم كانوا يبوسون رأسه الأصلع ويقولون له “حرام على هالراس يختير”.
توفي والدي رحمه الله في تشرين الثاني من نفس العام.

كان والدي من رجال الرعيل الأول الذين ناضلوا في سبيل تحرير وطنهم دون أن يكون لهم أية أطماع شخصية سياسية أو خاصة في منصب ما أو أي فوائد مادية على الإطلاق (كان والدي نائباً في البرلمان عن قضاء جبل سمعان محافظة حلب). وعلى العكس تماماً كانت منازلهم أو مكاتبهم أو مجالسهم العامة مفتوحة لعامة الناس يأتون لزيارتهم وفي كثير من الأحيان يكون لهم مطالب لهم أو لأسرهم أوعشيرتهم أو منطقتهم يطلبون منهم التدخل لدى السلطات المختصة لحلها.
تقاعد والدي بعد الاستقلال، مثله مثل العديد من رفاقه من رجال الرعيل الأول أمثال سعد الله الجابري وليون زمريا وفتح الله صقال والدكتور عبد الرحمن كيالي، تاركين المجال للنخب الجديدة من الشباب أن تبدأ في بناء الوطن الفتي – وكان هذا خطأهم.

 

 

Previous Post
الورقة الثانية – توثيق دار جان بولاد (جنبلاط)، أبهى قصور حلب
Next Post
الورقة الرابعة من هو جميل ابراهيم باشا؟

0 Comments

Leave a Reply

15 49.0138 8.38624 1 0 4000 1 https://fahedbacha.com 300 0