theme-sticky-logo-alt
theme-logo-alt

الحلم السوري – بقلم فهد ابراهيم باشا

0 Comments

هل الحلم هو “تتابع من الاحساسات والصور العقلية ,والافكار وسواها تمر عبر عقل النائم ” كما ورد في قاموس ويبستر Webster أم أنه أكثر من ذلك؟

حاول الانسان دراسة الاحلام منذ القدم فقد وجدت آثار عن تفسير الاحلام على الألواح الحجرية التي ترجع إلى سومر أقدم حضارة عرفتها البشرية، واعتقدت بعض الشعوب القديمة مثل الإغريق أن الأحلام عموما هبة من الآلهة لكشف معلومات للبشر وزرع رسالة معينة في عقل الشخص النائم.

قام سيغموند فرويد وابن خلدون وغيرهم من الفلاسفة بدراسة الاحلام وصنفوها بحسب طبيعتها وزمن حصولها. وتناولت الاديان والثقافات المختلفة تفسيرات الأحلام حتى أصبحت علماً كباقي العلوم يدرس في المعاهد والجامعات.

وفي السياسة عرف التاريخ احلاماً كانت مرتكزاً لصناعة التاريخ. فمن الاحلام ما كان قومياً توسعياً وهو السيطرة على شعوب أخرى كأحلام كل من الاسكندر المقدوني وقيصر ونابليون، بينما حلم كل من بسمارك وغاليباردي بتوحيد شعوبهم، وحلم هرتزل بالحلم الصهيوني، وماركس ولينين بالحلم الشيوعي، وهتلر بالحلم الآري الفاشي بينما حلم تشرشل وديغول وغاندي وغيرهم بأحلام وطنية في فترة كانت أممهم مستعمرة أو مهددة بالاحتلال. تباينت احلام المشاهير في التاريخ واختلفت فيما بينها وتقاطعت مع احلامهم الشخصية من طرف واحلام ابناء اوطانهم من طرف آخر، ودفع الملايين من الناس أرواحهم ثمناً لمحاولات تحقيق هذه الاحلام أو بعضها.

في الستينات من هذا القرن وفي الوقت الذي كان “مارثر لوثر كينغ” يحلم بالغاء التمييز العنصري في اميريكا في فترة كان مثل هذا الحلم يصنف كحلم من أحلام اليقظة والتي لا يمكن تحقيقها، كانت شعوب الشرق الأوسط وعلى رأسهم الشعوب العربية تحلم باستكمال حصولها على الاستقلال وبناء ديموقراطياتها وتوحيد صفوفها لمواجهة الحلم الصهيوني والامبريالي.

عاش جيلي (جيل الخمسينات والستينات) عصر الاحلام هذه ونشأت وانا من الدفعة الأخيرة التي استطاعت  أن تحلم: حلمنا بالاستقلال، والديمقراطية، والوحدة العربية، والعيش المشترك، وتوزيع الثروات، والتكافل الاقتصادي والاجتماعي على مستوى العالم العربي، والمشاركة في نماء الحضارة الانسانية، وحلمنا بالحلم الأكبر وهو تحرير فلسطين، وحلمنا وحلمنا وحلمنا…..

ولكن أحلامنا العربية ما لبست أن تكسّرت واحدة تلو الأخرى. فتفرقت الحكومات العربية التي تربعت على عروش الدول العربية المستقلة بالانقلابات والمؤامرات بدلاً من أن تتوحد، وأخذت هذه الحكومات تقمع شعوبها وتنشئ دكتاتوريات عسكرية بلباس مدني، وارتدت جميعها قناع المقاومة والتحرير كعذر للبطش والطغيان. وعلى عكس شعاراتها المعلنة فقد اتخذت هذه الحكومات من شعوبها أعداء لها، وتآمرت فيما بينها وتصارعت على حساب نماء أوطانها. لقد مارست هذه الحكومات التي نصبها أعداء الوطن عمالتها وسرقت مقدرات شعوبها وأرزاقهم وعملت فساداً وهدماً في مجتمعاتهم.

في سوريا جاء البعث ومن بعده الأسد ليعمل على إذلال الشعب السوري وتركيعه، وليؤسس لنظام الأسرة والطائفة، فأعتمد على المرتزقة وضعاف النفوس ليزرع الفساد والرشوة في كلً شريحة من شرائح المجتمع وقي كلً مؤسسة من المؤسسات العامة والخاصة. لقد عمل الأسد وحاشيته بشكل ممنهج على تدمير الاخلاق وتخريب التعليم وبث الفرقة  وافتعال الفتن بين مختلف مكونات الشعب السوري، 

والأهم من ذلك كله فقد نجح الأسد في اغتصاب حق الشباب السوري في أن يكون له حلماً. لقد فقدت أجيال السبعينات وما بعدها قدرتها على أن تحلم، وأصيبت أجيال شبابنا باليأس والخنوع ورضخ الكثير منهم للأمر الواقع ففضلوا الهجرة عن التهميش، والحرية عن الديكتاتورية، والكرامة عن المذلة، وفقدت سوريا الملايين من خيرة شبابها، ونزحت مؤهلات الوطن وتبعثرت أهم طاقاته في اقصاع المعمورة وأرجاءها.

لقد استطاع نظام الاسد من تخويف السوريين وزرع الشك في نفوسهم ،وزرع الخوف بينهم على كل المستويات: فرّق بين أعضاء الأسرة الواحدة، وسكان العمارة الواحدة، والحي والقرية والمدينة حتى أصبح السوريون يخافون من بعضهم البعض في الداخل والخارج، لقد فقد معظمهم الأمل في العودة إلى الوطن، وتسابقوا على الهجرة والتجنّس بجنسيات أخرى هرباً من وطن لا فرصة لهم فيه، لا حرية لهم فيه ولا كرامة، لا عدل فيه ولا مساواة، لا عدالة فيه ولا قضاء، لا أمل فيه ولا حلم.

ضاعت أحلامنا بالجملة والمفرق وأخذ اليأس والاستسلام يتسلل الى نفوسنا، وظنّ الجميع وعلى رأسهم المغتصبون أنّهم قد نجحوا بترويض الشعب السوري وأنهم باقون إلى الأبد!!!

وكانت المعجزة، وبدأ الربيع العربي، وأزهرت الطاقات الشبابية في العالم العربي تنادي بالحرية والتغيير واسقاط الأنظمة الفاشية المجرمة، وانطلقت الثورة السورية لتبعث الأمل من جديد في وجدان كل سوري وطني حر، لتعيد لجيل المستقبل الحق بأن يحلم بوطن للجميع يشارك فيه كل سوري بكفاءته وقدراته وعلمه وعمله،

نعم، لقد مضى على الشعب السوري أكثر من عامين وهو يحلم: يحلم السوريون اليوم في الداخل والشتات بتحرير الوطن والقضاء على نظامه المجرم، ويحلم شباب سورية ومواطنيها دون استثناء بالحرية والكرامة ونيل العلم والمعرفة والمشاركة في بناء الوطن على أساس الكفاءة لا التبعية. ويحلم كل طفل بالعودة الى منزله وحيه ومدرسته لكي يلعب ويتعلم ويزرع الاشجار، وتحلم المرأة السورية بالعودة والأمان والاحترام والمساواة ورعاية أسرتها وتربيتهم والعمل في ببئة اجتماعية تؤمن بالسلام والوئام والمسامحة والمغفرة والعدالة والمساواة. ويحلم سوريو الشتات بالعودة الى الوطن والمشاركة عن حق في بناؤه. ويحلم شيوخ الوطن بساعة التحرير والضمان الجماعي والتكافل الاجتماعي والضمان الصحي.

وأخيراً، يحلم الوطن السوري من خلال ايمانه بشعبه وإرادته التي لا تقهر, يحلم بأن تبنى على أرضه أعظم الديموقراطيات الحديثة في الشرق الاوسط، يحلم وطني بأن يحتوى جميع مكوناته ويراها تشارك في بنائه وأن تتفق عل العيش المشترك فيما بينها والعمل من أجل ترسيخ وحدتها الوطنية وقلب صفحة الفرقة والخوف، يحلم وطني بأن يرسخ أبناؤه مفهوم  الانتماء للوطن لا غير والايمان بالمواطنة وقوانينها.

وأخيراً، أعادت لي الثورة السورية المباركة حقي بأن أحلم، وحلمي كبير يرقى الى حجم وطني وشعبي وتاريخه وتعدديته وقدراته التي لا تنضب. أؤمن بسوريا منارة الشرق الاوسط ورافدة العالم بالعلم والمعرفة والفن والشعر والحضارة.

وكم من الأحلام تحققت لشعوبها بفضل إرادتهم وتضحياتهم ومثابرتهم.

نعم، الحلم السوري سوف يتحقق، ودماء الشهداء التي روت تراب الوطن سوف تزهر شبابا يحلمون ويعملون ويبنون وفي أيديهم غصن زيتون وقلم ودفتر وكمبيوتر وقلب كبير ملئ بالحب لسوريا والسوريين.

فأبشر يا وطني…

فالنصر قريب بإذن الله….

Previous Post
ستديو بيروت فهد ابراهيم باشا رئيس تجمع الوطنيين الاحرار
Next Post
المعارض فهد الباشا: القطب الديمقراطي لن يواجه الإسلاميين السوريين

0 Comments

Leave a Reply

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

15 49.0138 8.38624 1 0 4000 1 https://fahedbacha.com 300 0