فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

عندما تقرع الأجراس؟

استخدم الانسان صوت الأجراس والأبواق لآلاف السنين لكي يبلغ عن حدث أو إنذار أو رسالة أو أمر ما بحيث أصبح الناس يفهمون الرسالة التي يريد مصدر الصوت أن يوصلها إليهم بمجرد سماعهم له. اختلفت هذه الأصوات عن بعضها البعض بالنغمة والايقاع ولكنها اجتمعت على الغرض وهو الانذار أو على الأقل لفت الانتباه.

في وطني سوريا، ومنذ عام تقريباً دقّت الأجراس وقرعت الطبول ونفخت الأبواق وما تزال حتى الآن دون أيّ سامع أو مجيب سواء في الوطن أو خارجه..! تداخلت الأصوات إلى درجة كبيرة وما زالت وسط لامبالاة وحالة مرضية من الطرش العام الشامل حتى وصلت سوريا إلى ما هي عليه اليوم من حالة حرجة لا بدّ من التعامل معها قبل أن تصبح خارج السيطرة.

في مثل هذه الأيام من العام الماضي حطّم أفراد قلائل من الشعب السوري جدار الخوف وانطلقوا في الشوارع طلباً للحرية آملين بأن يسمع رأس النظام أصواتهم ويسرع بالقيام باصلاحات عديدة كان قد وعد بها قبل عشر سنوات. غير أنّ الرجل حسب أنّ أصوات الشعب السلمية رصاصاً قاتلاً لنظامه، وظنّ هتافات الحناجر المسالمة أسلحة موجهة إلى صدره، ورأى في المتظاهرين عصابات مسلحة دسّت من الخارج للتآمر على الوطن. كذبة أطلقها النظام وكررها ليبرر بها سياسة القمع الاجرامي الوحشي التي اعتمدها. طرش النظام فوّت عليه فرصة الحوار مع الشعب والبقاء في السلطة مع تبني الاصلاح، ونَقَلَهُ لكي يصنف في مزبلة التاريخ في إطار أكثر الأنظمة العالمية إجراماً ووحشية.

اختار الأسد الشاب أن يحذو حذو والده المجرم ودفع بكل ما يملكه نظامه الحاقد الخائن من قوة عسكرية وأسلحة فتاكة فأعلن من خلال أصوات انفجارات قنابله العنقودية والحارقة وغير التقليدية ومدافع مجنزراته ودباباته وأبواقه العميلة من اعلاميين وسياسين وشخصيات هزلية كمعلمه وبثينته أنّه لن يتخلى عن الحكم في سوريا إلاّ بعد أن يحوّل الثورة إلى ثورة طائفية مسلحة تأكل الأخضر واليابس وتزرع الأحقاد والضغائن وتُقَوِّضُ الاقتصاد وتحول سوريا إلى ركام وطن. وهنا أيضاً، طرش العرب أوّلاً والعالم ثانياً وسياسيو المعارضة وقادتها الافتراضيين ثالثاً، فصمت العرب دهراً وما زال العالم يتقاذف كرات الانسانية والحرية وحماية حقوق الانسان وغيرها من الشعارات التي أفرغت للأسف من محتواها الفكري والانساني بعد هذا المسلسل السوري الاجرامي الطويل الذي تفنن النظام الأسدي بإخراجه، وفشل القادة الافتراضيون للمعارضة في الداخل والخارج سياسيين وعسكريين من توحيد صفوفهم وحشد الشعب الحر الثائر البطل ورائهم لنيل التأييد العالمي وانجاح الثورة كما فعل أخوتهم في البلاد العربية الأخرى من قبلهم.

اليوم تقرع الأجراس للمرة الأخيرة، الفيتو الروسي الصيني المزدوج وما سبقه من مشروع حل عربي غربي تافه لا يرقى أصلاً إلى مستوى معالجة الأسباب التي قامت من أجلها الثورة بل كان يسعى إلى تخديرها وكسب الوقت للانتهاء من معالجة ملفات هي برأيهم أكثر سخونة (إيران والانتخابات الروسية والانتخابات الفرنسية والأميريكية القادمة والأزمة الاقتصادية العالمية الخانقة التي باتت تهدد بالإفلاس أمريكا ومنطقة اليورو والأهم ترتيب المنطقة للحفاظ على أمن اسرائيل وتوزّع مناطق النفوذ للألفية القادمة). هل يفهم جهابذتنا من القيادات السياسية والعسكرية للثورة بأنّ عليهم توحيد صفوفهم والاكتفاء ببند واحد على جدول أعمالهم وهو اسقاط النظام. هل يسمع طرشان الوطن في الداخل والخارج أن عليهم ترك نرجسياتهم ولو مؤقتاً وتأجيل ملفاتهم الايديولوجية والفئوية إلى ما بعد تحرير الوطن حيث يمكنهم عندها اللجوء إلى الديموقراطية لحل خلافاتهم المستعصية.

اليوم العالم يلتف علينا من خلال إبر مسكنة اسمها نادي أصدقاء سورية ووعود باعترافات واهية لمؤسسات افتراضية منقسمة ومشرذمة تتصارع وتتقاتل ولا تفهم ولا تسمع. قالها أخيرا ساركوزي بصراحة: نحن لا نستطيع صنع الثورة في سوريا على السوريين أن يوحدوا صفوفهم فسيجدونا معهم لمؤازرتهم. اسمعوا يا طرشان الوطن وتوحدوا، تواعدوا على اجتماع يضمكم جميعاً سياسيين وعسكريين واعقدوه على مدى 24 ساعة متواصلة ولعدد من الأيام التي تكتفون بها لكي تخرجوا منه متفقين على مجلس موحّد لقيادة الثورة يعلن للعالم، مجلس قادر على قيادة الثورة شعبياً وعسكرياً وسياسياً، مجلس يكون فاعلاً لا منفعلاً على الساحات الداخلية والخارجية والاقليمية والعالمية. قد تأتيكم الأموال والاغاثات والأسلحة ولكن عليكم أن تحسنوا استخدامها واعلموا أن الثورة والثوار سيحاسبونكم مثلما سيحاسبون القتلة من أركان النظام وجنوده وأبواقه ومرتزقته والصامتين عنهم.

وللتاريخ أيضاً حسابه العسير….

قرعت الأجراس فهل من يسمع….؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.