فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

هل تخلّى العرب والعالم عن فلسطين؟

بعد مرور سبعة عقود على اغتصاب فلسطين، واعتراف العالم بدولة إسرائيل، هل سيشهد عام 2021 إطلاق رصاصة الرحمة على تأسيس الدولة الفلسطينية الموعودة؟

في قراءة سريعة للتاريخ نرى أنّ الأحداث المصيرية؛ قد واكبتها، على الدوام، بيئة جيوسياسية حاضنة تساعد على تحقيقها.

مقدّمات لتأسيس وطن قومي لليهود

فعندما نجحت الصهيونية العالمية بتأسيس دولة إسرائيل، كانت الحرب العالمية الثانية قد وضعت أوزارها، وانتهت بسقوط النازية التي ارتكبت خلال الحرب أبشع أنواع الجرائم والمجازر بحق اليهود، بما عرف بمحرقة اليهود “الهولوكوست”، ممّا جعل الرأي العام العالمي يتعاطف مع الفكر الصهيوني الذي طالب بإقامة وطن قومي ليهود العالم في فلسطين التي كانت تحت الانتداب البريطاني.

كان الاستعمار الغربي في تلك الحقبة في حالة انحسار، وكانت بريطانيا تحضّر للإنسحاب من فلسطين؛ فعملت على تنفيذ وعدها للصهيونية العالمية بوطن قومي لليهود (وعد بلفور) فيسّرت هجرتهم، وساعدت في تمكينهم، بينما كانت الدول العربية ما زالت ترزح تحت الانتداب الاستعماري أو حديثة الاستقلال، وغير مؤهلة سياسياً ولا عسكرياً على مواجهة القرار الدولي المتّخذ.

دور  السلطات العربية

ومنذ ذلك التاريخ، وعلى الرغم من حصول كل البلاد العربية على استقلالها، إلا أنّ الحكومات والملوك والأمراء الذين جرى تنصيبهم كانوا جميعاً يدينون بالولاء للدول الأجنبية التي نصبتهم، وبالتالي عملوا على تنفيذ الأجندات التي كانت توكل إليهم من قبل مخابرات تلك الدول، دون مراعاة للصالح الوطني القومي والإقليمي.

امتطت حكومات الدول العربية القضية الفلسطينية واتخذت قضية استرجاع الأرض المغتصبة وإعادة اللاجئين، حجّة لقمع شعوبها ونهب ثرواتهم.

وعلى الرغم من اتفاق تلك الحكومات على هدف تحرير فلسطين، اختلفت فيما بينها حول وسائل المواجهة، اختلفوا على كل شيء سوى نهب الإقتصاد وبناء جيوش مؤدلجة تخدم الحاكم وتدافع عنه بدلاً من أن تدافع عن الشعوب والوطن.

ضبابية المشهد المعاصر

اليوم، يشهد العالم بيئة جيوسياسية ضبابية، تشكل خطراً كبيراً على دول العالم كافة وخاصة على دول الشرق الأوسط؛ فقد انهار النظام العالمي الذي كان الإطار الذي يحكم العالم بعد الحرب العالمية الثانية؛ وتشكّل فراغ كبير؛ نتج عن السياسات المتقلبة والمتناقضة للولايات المتحدة الأميريكية التي ألغت دورها كقائدة للغرب؛ فانتشر مفهوم الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط؛ وبدأ العالم يبحث عن إطار جديد يتناسب مع العصر. لقد تغيرت موازين القوى وقامت روسيا والصين بالبروز كدولتين عظميتين، وبرزت الخلافات العميقة بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها انسحاب بريطانيا من المجموعة الأوروبية بما عرف “بالبريكسيت ”، مما انعكس على وحدة حلف الناتو وتراجع دوره في المنطقة والعالم.

تطورات في الدعم الأمريكي لإسرائيل

في عام 2016، وخلال الحملة الانتخابية الرئاسية الأمريكية، قدّم ترامب وعوداً لإسرائيل لا تقل أهمية عن تلك التي قدمتها بريطانيا في بداية القرن الماضي (وعد بلفور)؛ نقل السفارة الأمريكية، وبالتالي الاعتراف بالقدس عاصمة أبدية لإسرائيل، دعم نتانياهو وسياساته بتوسيع بناء المستوطنات القائمة، والترخيص ببناء مستوطنات جديدة في الضفة الغربية لتقطيع أوصال الأراضي المرشحة لتكون الدولة الفلسطينية الموعودة.

ومنذ وصول “ترامب” إلى الرئاسة، أصبحت أمريكا تعمل بمنطق المقاول؛ متخلية عن دورها القيادي في التأثير على رسم الاستراتيجيات الجيوسياسية في العالم وإظهار حرصها الصوري (حسب مكيالها غير العادل) على أن تقوم الدول باحترام القوانين الأممية بما ينسجم مع أخلاقيات الشرعية الدولية المفترضة.

وبعد وصول “ترامب” إلى سدّة الحكم، حرص على الفور على تنفيذ تعهداته بشأن نقل السفارة، وكلّف صهره اليهودي “كوشنير” المنحدر من أصل روسي، بملف حل القضية الفلسطينية.

بدأت خطة الحل بعملية تطويع البلاد العربية باسم مكافحة الإرهاب ومقاومة الخطر الإيراني، واعتبار إسرائيل حليفاً لا عدواً في هذين الهدفين. وقام “ترامب” في عدة مناسبات بدعم صديقه “نتانياهو” في سياساته الخارجية والداخلية وخاصة ضم الأراضي وبناء المستوطنات وتوسيعها، وأطلق ما يعرف اليوم “بصفقة القرن” التي تختزل المشهد بإطلاق يد إسرائيل وتحييد العرب وتغييب الفلسطينيين عن أي قرار يتعلق بحل القضية الفلسطينية.

فلسطين مقطعة الأوصال

هذا في الواقع ما نشاهده اليوم من تهديد كبير يتمثل بضم مساحات جديدة من الضفة الغربية إلى إسرائيل بشكل يطلق رصاصة الرحمة على أي إمكانية لتشكيل دولة فلسطينية مستقلة، فدولة فلسطين الموعودة ستكون بعد الضم مقطعة الأوصال تتوزع على مجموعة من “الغيتوهات” المنعزلة تحيط بها وتشرف عليها من على قمم التلال – المستوطنات الإسرائيلية المسلحة ومستوطنيها المتطرفين المؤمنين بالحلم الصهيوني.

“نتنياهو” اتخذ قراره، والأكثر من ذلك نجح في الانتخابات الأخيرة على أساس وعده بضم 30% من أراضي الضفة الغربية، ولكن تنفيذ القرار ما زال ينتظر اختيار التوقيت الصحيح المرتبط بالحصول على الضوء الأخضر الأمريكي؛ حتى لا يشكل هذا الضم أي خطر على الصديق “ترامب” الذي يخوض معركة انتخابية حاسمة في الخريف القادم واستطلاعات الرأي الحالية تضعه متخلفاً عن خصمه الديمقراطي بـ 12 نقطة.

انقسامات في الاتحاد الأوربي

الإتحاد الأوروبي منقسم على نفسه وسوف يكتفي بالإدانة لا غير لإرضاء فرنسا، أمّا النمسا وهنغاريا وبولونيا ورومانيا فهي من الدول غير المبالية إذا، لم نرغب بالقول أنّها مؤيدة، وحتى ألمانيا وهولندا فهما ينددان بخجل وتردد حول اتخاذ أي موقف يؤيد فرض عقوبات على إسرائيل؛ وإن كانت أي عقوبات قد تفرض ستكون رمزية وقليلة الأثر على اقتصاد الدولة الصهيونية، فطرق الاستدارة على قوانين العقوبات والاحتيال عليها أصبح أمراً سهلاً تتقنه معظم دول العالم في ظل النظام العالمي المفكك والمهترئ القائم اليوم.

الحكومات العربية، ستكتفي بالاستنكار والتهديد اللفظي العلني والتطبيع السرّي بقيادة “كوشنر” عراب صفقة القرن. فقيادات هذه الحكومات مهتمة بالبقاء في السلطة وآخر ما يهمها مصير شعوبها أو الدفاع عن القدس والضفة وفلسطين.

اختلافات وصراعات البيت الفلسطيني

لماذا على هؤلاء القادة أن يفعلوا ذلك؟، والفلسطينيون هم أول من تنازلوا عن أرضهم وقضيتهم، بدأ بجهود “ياسر عرفات” في اتفاق “أوسلو” حيث فطر الأسد – ببصلة، ومن ثمّ سياسات “أبو مازن” الرجل الهرم وصراعاته الأزلية مع التيارات الفلسطينية الاسلامية المتطرفة وعلى رأسها: حماس والجهاد وغيرهم وفصائلهم المسلحة. تقاتلوا لعقدين حتى الآن واليوم يدعون بكل بجاحة إلى بوس اللحى وعفا الله عمّا مضى، دون أي خجل أو إعتذار من قواعدهم التي يسوقونها كالخراف.

للأسف تخلّى الفلسطينيون والعرب والعالم عن القدس والقضية الفلسطينية سوف تشهد نهايتها خلال العامين القادمين، فقد أوجدت أمريكا والعالم وسائل أخرى للتواجد على الأرض العربية وبيع السلاح واستنزاف أموال العرب. فإيران قائدة محور الشر وسياساتها الطائفية، وطموحات تركيا أردوغان بإعادة بناء الامبراطورية العثمانية من المحيط الأطلسي إلى الأستانة، والإرهاب السني المتطرف بتسمياته المختلفة “داعش” والقاعدة وغير ذلك من مجموعات وميليشيلت مرتزقة محلية أو إقليمية، كلها تهدد الحكومات العربية والأمن في العالم.

روسيا، وأمريكا، والصين، وإسرائيل متّفقة على أمر واحد فقط، وهو ضرورة الحفاظ على الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط وأفريقيا، وإدارة الأزمات التي قد تظهر بتقييم المعطيات وتقاسم المصالح وتوزع النفوذ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.