فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

هل “الديكتاتو-موقراطية” هو النظام الذي سيلي الانقلاب الفاشل في تركيا

حظيت محاولة الانقلاب الفاشل التي قام بها عدد من القادة السابقين والحاليين في القوى الجوية والدرك ومدرعات الجيش الثاني في كل من أنقرة واسطنبول وبعض المدن التركية الأخرى، على اهتمام عالمي بالغ نظراً لأهمية تركيا على الصعيدين الاقليمي والعالمي.

فمن الناحية الجيوسياسية؛ تقع تركيا على ناصية قارتين (آسيا وأوروبا)، وهي الممر الذي يربط أوروبا ودول شمال شرق آسيا والشرق الأوسط. لذا، وبسبب موقعها المميز هذا عاشت في تركياً عبر التاريخ مجموعات سكانية مختلفة تمثل عدداً من الحضارات والديانات والطوائف الآسيوية والشرق الأوسطية والاوروبية العريقة، مثلها كمثل عدد من دول الشرق الاوسط المجاورة لها وعلى رأسهم سوريا والعراق وإيران.

ومن الناحية التاريخية؛ كانت تركيا على الدوام لاعباً رئيساً على الخارطة العالمية سياسياً وحضارياً وعسكرياً وتجارياً واقتصادياً. تعيش في تركيا قوميات مختلفة ذات جذور آسيوية وعربية وكردية وأوروبية، يعتنق أفرادها عدداً من الديانات وينقسمون إلى طوائف وجماعات قد يصعب حصرها. ففي تركيا، عرب وأكراد وتركمان وآذاريين، وأرمن، ويونان، ومقدونيين، وألبان، وروس، وشركس وجورجيين وكازاك. وفي تركيا أغلبية من المسلمين السنة يعيشون في وئام واحترام مع مسيحيين كاثوليك وأورثودوكس وروم وأرمن، ويهود، ويزيديين، وبهائيين، وشيعة، وعلويين، واتناعشريين، وغير ذلك من الأديان والطوائف.

انشغلت تركيا في القرن الماضي بالتخلص من الحكم العثماني السلطاني الكهل وتحولت عام 1913 الى جمهورية علمانية يحكمها العسكر بقيادة الجنرال مصطفى كمال أتاتورك الذي قام بأول انقلاب عسكري في تاريخ تركيا. وبعد عدة عقود وثلاثة انقلابات وثلاث محاولات انقلابية أخرى وصلت تركيا إلى تحييد العسكر عن ممارسة السياسة في العرف المجتمعي والسياسي لدى الشعب التركي وارساء حكم ديموقراطي حديث يتميز بجمعه بين العلمانية الغربية من جهة واحترام القيم المتمثلة في الشرائع والتقاليد الدينية والقومية لمكونات المجتمع التركي المتعددة وعلى رأسهم الشريعة الاسلامية من ناحية أخرى. بمعنى آخر استطاعت تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية إلى فصل الدين عن الدولة وتقديم نموذج حكم حضاري ديموقراطي يكفل حرية التعبير والمعتقد ويسعى لاستكمال ذلك باحترام حقوق الانسان بحسب المفهوم الاوروبي والغربي. وفي خضم مسيرة التحول الديموقراطي هذه انضمت تركيا عام 1952 الى حلف الناتو وبقيت منذ ذلك الوقت تعمل جاهدة لتكون مؤهلة لعضوية الاتحاد الاوروبي. أي أنّ تركيا دخلت الألفية الثالثة وعينها على الغرب وقلبها مع الشرق.

وصل رجب طيب أردوغان إلى الحكم كرئيس للوزراء في عام 2003 في فترة شهدت فيها تركيا نهضة اقتصادية ومجتمعية جبارة جعلت منها شريكاً أساسياً على المستوى السياسي والاقتصادي والتجاري لعدد كبير من الدول. تمكن أردوغان خلال هذه الفترة من حكمه من تحسين علاقات تركيا مع جيرانها الاقليميين وبناء جسور من الثقة والتعاون مع الولايات المتحدةالامريكية وأوروبا وحتى روسيا، مهد ذلك الى اقتناع عدد من الدول الغربية وعلى رأسهم أمريكا بامكانية التحالف مع الاسلام السياسي المعتدل كحليف رئيس في المجتمعات الشرق الاوسطية الأخرى مما كان له تأثير كبير على موقف الغرب عند سقوط الديكتاتوريات العربية في بداية ثورات الربيع العربي لصالح الاسلام المعتدل بقيادة الاخوان المسلمين وبوصاية غير رسمية من تركيا.

أظهرت تركيا التزامها بالسياسات الغربية العسكرية، فقد سمحت للتحالف الغربي باستخدام قاعدة انجرليك التركية في أضنة للاشتراك في طلعات جوية لضرب نظام صدام حسين في العراق ومن ثمة الابقاء على ادارة مشتركة ووجود مستمر للطائرات الامريكية في القاعدة.

استخدم أردوغان نجاحه هذا لكي يبرز كزعيم شرق أوسطي واسلامي تاريخي منتخب ديمقراطياً في وسط بيئة من الحكام الشرق أوسطيين والعرب المستبدين أو غير الدستوريين أو غلى الاقل غير الديمقراطيين. هاجم أردوغان حكام اسرائيل عندما غزو غزة وحاصروها وخرج من اجتماع دافوس الاقتصادي احتجاجاً على وجود الرئيس الاسرائيلي في الاجتماع.

كسب أردوغان تعاطف وحب واحترام الشعوب العربية والاسلامية الباحثة عن زعيم قائد يُمكنها من الحصول على حقوقها المنتهكة منذ عقود. دفعه هذا للطموح بأن يكون زعيماً اسلامياً تتخطى زعامته حدود تركيا الحالية لتشمل بلاداً اسلامية وعربية أخرى. دعمت تركيا حركات الاخوان المسلمين وتحالفت معها وأنشأت بعض هذه التحالفات أحزاباً مشابهة اسماً وهيكلاً لحزب العدالة والتنمية التركي رغبة في محكاة النجاح الذي حققه الحزب وطمعاً في اكتساب ثقة الغرب ودعمه.

ناصر أردوغان الشعب السوري منذ اندلاع الثورة وحاول اقناع صديقه بشار الأسد (في تلك الفترة) على احتواء الثورة والقيام باصلاحات دستورية واعتماد نهج الاصلاح الديمقراطي التدريجي واطلاق الحريات. لم يستجيب الأسد إلى نصائح أردوغان فهو تابع لمخطط اقليمي طائفي أكبر قراره في إيران. عرف الأسد أن مجرد السماح إلى الحرية والديمقراطية بالتسلل الى الشعب السوري يعني نهاية نظام حكمه العائلي الطائفي وأنّ أيامه عندئذ ستكون معدودة.

أصبح أردوغان العدو الأول لنظام الأسد وأصبح يطالب برحيله كشرط للحل في سوريا. فتح أردوغان حدود تركيا لاستقبال المهاجرين والمهجرين حتى وصل عددهم أكثر من 2.5 مليون سوري. قدم أردوغان للسوريين ما لم يقدمه اخوانهم العرب الذين يرتبطون بهم بأخوة الدم والانتماء، سمح للسوريين بالعمل في تركيا، وخصص لهم عدد من المخيمات المجهزة بأفضل من التجهيزات الموجودة في مخيمات الدول العربية. استقبلت المدارس والجامعات التركية آلاف الطلاب السوريين، وأصبحت تركيا ملاذاً وملجأً للمعارضة السورية وقياداتها من مجلس وطني وائتلاف وحكومة موقتة.

في عام 2014، أنتخب أردوغان رئيساً لتركيا، في فترة بدأت فيها المنطقة تشهد تغيرات جيوسياسية واستراتيجية مهمة. فقد فشلت الاحزاب الاسلامية في ممارسة الديمقراطية وتعزيزها في كل من مصر وليبيا، وغيرت أمريكا سياساتها المعلنة في المنطقة غير آبهة بقلق ومعارضة حلفاءها التاريخيين في المنطقة؛ وقعت الاتفاق النووي مع ايران وبدأت بتطبيع العلاقات معها ورفع العقوبات عنها تبعتها الدول الغربية الأخرى في استدارة سياسية واستراتيجية كاملة خلطت الاوراق؛ سحبت تأييدها للاسلام السياسي لحساب ديكتاتوريات نشأت على حساب تهميش ثورات الربيع العربي. احتجت حكومة أوباما بما حصل في العراق وليبيا لتسمح للنظام الوحشي في دمشق بقتل شعبه وتدمير بلاده حجرا وبشراً وتاريخاً، وفتح حدوده الى باسردان ايران ومرتزقةحزب الله لاحتلال البلاد وزرع الفساد والطائفية فيها على أمل أن يتمكن من تغير التوزع السكاني في البلد.

سكتت أمريكا عن تخطي نظام الأسد لخطوطها الحمراء وبرع أوباما في اتباع سياسة إدارة الصراع في المنطقة، وسمح لايران باطلاق الحوثيين في اليمن ليلهي السعودية في صراع دام ومباشر يهدد خاصرتها الجنوبية، وسمح للايرانيين ونظام الأسد بتأسيس داعش وإطلاقها لتتحول الثورة السورية كما خطط لها نظام الأسد منذ البداية لصراع مذهبي واسع سني شيعي، يستنزف دول المنطفة.

أدت سياسات أوباما هذه إلى السماح لروسيا لأول مرة في التاريخ الحديث لاستغلال الموقف والقفز بشكل مباشر عسكرياً إلى قلب الشرق الآوسط لتصبح اللاعب الأول صاحب اليد العليا في رسم مصير المنطقة. لم تكن روسيا لتحلم بمثل هذه الفرصة الذهبية وهي الدكتاتورية الأكبر في العالم لتحافظ على مصالحها السياسية والعسكرية والاهم الاقتصادية منها لتسيطر على قرار استغلال غاز البحر المتوسط على شواطئ سوريا ولبنان وتمنع وصول الغاز القطري الى شواطئ هذا البحر لتبقى المصدرة الاولى للغاز الى أوروبا وتستخدم هذا لاملاء ادارتها السياسية على الاوروبيين وحكومات الشرق الاوسط والخليج العربي على السواء.

في هذه الفوضى الخلاقة، تبنت أمريكا ومن بعدها العالم خطة بشار التي أطلقها منذ اليوم الاول لاندلاع الثورة السورية؛ وهي أن نظامه هو صمام الأمان لمصالح الغرب والاقليات في المنطقة وحامي حدود اسرائيل ومصالحها وأن ّ البديل هو التطرف والارهاب الاسلامي السني الوحشي الذي لا يعرف الرحمة ويهدد الغرب أمنياً وحضارياً. أدى هذا إلى تغييرات فاضحة في تغيير أمريكا لحلفاءها واختيارها علناً الاكراد من جهة وسرّاً النظام السوري وايران والاحزاب والقيادات الشيعية في العراق والمنطقة من جهة أخرى. دعمت أمريكا الكورد السوريين عسكرياً وسياسياً ووضعتهم في موقع القيادة في كل التشكيلات التي قامت بتشكيلها باسم مكافحة الارهاب مما دفع بعض السوريين الكورد الى اعلان من طرف واحد جزء من سوريا اقليماً في فدرالية غير موجودة لوطن غير مقسم أصلاً.

سمحت الفوضى الخلاقة وغياب أمريكا عن القيام بدورها بوتين إلى ملأ الفراغ وارسال قوات روسية اتخذت من قاعدتها في طرطوس ومن عدد من القواعد الجوية الاخرى للجيش السوري منطلقاً لطائراتها لتقصف وتقتل الشعب السوري وتدمر المستشفيات والاسواق والمدارس بحجة مكافحة الارهاب. دعمت روسيا مع حليفها المجرم بشار الاسد للسيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض لفرض الامر الواقع.

في خضم هذه البيئة السياسية والعسكرية الضبابية، رأى أردوغان الرئيس الوطني أن لا بدّ لتركيا أن تقوم بعمل لانقاذ سوريا وتركيا بسبب وحدة المصير. دعا أردوغان إلى انتخابات جديدة وفاز حزبه بأغلبية أطلقت يداه ليرفض المخطط التقسيمي في سوريا لأنّ ذلك يعني احتمال امتداده الى تقسيم تركيا نظراً للتشابه الديماغوجي والطائفي والقومي بين شعبي البلدين. رفض أردوغان التدخل الروسي وأسقط الجيش التركي طائرة روسية اخترقت المجال الجوي التركي ليقول لروسيا أن ثمة حدود لتدخلها السافر في المنطقة. رفض أردوغان الدور الانفصالي الذي رسم للسوريين الكورد ووقف أمام توسعهم الجغرافي على الارض السورية في مواجهة سافرة مع المخططات الامريكية القائمة.

أدرك أردوغان مؤخراً عمق المؤامرة الروسية الامريكية على المنطقة فقرر الرقص على الحبال ومهادنة الجلادين واعتمد سياسة جديدة للتغيير من داخل العلاقات الدولية والاقتصادية لا من خلال المواجهة العسكرية. لتحقيق ذلك كان لا بدّ له أن يتخذ ببفض المواقف منها الاعتذار من روسيا على اسقاط طائرتها، وحسّن العلاقات مع اسرائيل ليعود لاعباً في تقرير مصير المنطقة وقادراً على أن يكون من صناع القرار فيها. عرف أردوغان أنّ المناخ السياسي العالمي يضيق الخناق تدريجياً على السوريين فطلب من حكومته العمل على تقديم مشروع للبرلمان التركي بتجنيس السوريين (أكثر من 2 مليون) الذين لجؤوا الى تركيا هرباً من نظام الاسد الأمر الذي قد يؤدي إلى تغيير مهم وأساس في تركيبة المجتمع التركي وتوزعه السكاني.

لم تعجب هذه التغييرات فريقاً معارضاً واسعا داخل تركيا وخارجها، فكان لا بدّ من القيام بعمل استئصالي يبعد أردوغان وحكومة حزب التنمية والعدالة عن الحكم؛ فكان قرارهم الاستعجال بالقيام بانقلاب عسكري بدا لمن تابع الاحداث انقلاباَ عسكرياً لم يحضر جيداً بل غلبت عليه صفة المغامرة المبنية على الحظ والافتراضات. فشل الانقلاب لأن الانقلابيون لم يدركوا أن الشعب التركي تجاوز مرحلة الانقلابات العسكري وأنّه مستعد للنزول إلى الشوارع والساحات للدفاع عن الديمقراطية ودولة المؤسسات. خاب ظن العديد من الدول وأجهزتها المخابراتية بفشل الانقلاب ظهر في ارتباكهم لساعات طويلة اعلامياً قبل العودة والدعوة الى دعمهم لاحترام الديموقراطية.

ومن ضمير الشعب التركي ودولة القانون والمؤسسات عاد أردوغان إلى اسطنبول وتمكن الجيش وقوى الامن على استعادة زمام الامور بالكامل خلال 72 ساعة بيضاء.

اليوم تبدأ تركيا مرحلة جديدة من تاريخها المعاصر، مرحلة مليئة بالتحديات والمخاطر على المستويين الاقليمي والداخلي والعالمي، مرحلة من التحديات العسكرية والاقتصادية والسياسية والمجتمعية الجسام. مرحلة سيتم خلالها إعادة رسم المنطقة وتقسيم حدودها وتخطيط مستقبل أجيالها لعقود قادمة.

وللتاريخ وعرفاناً منّا بالجميل لشعب تركيا وحكومتها ورئيسها، وبعد تهنئتنا الحارة لهم بفشل الانقلاب، ندعوهم باسم الديمقراطية الحقة أن يكونوا مثالاً للحرية واحترام كرامة الانسان وحقوقه مهما كان موقعه من الحركة الانقلابية ومن التهم التي يمكن أن تكون قد وجهت له. من غير المقبول من أردوغان المدافع عن حرية السوريين وحقوقهم أن يقوم بقمع شعبه باسم حماية الديمقراطية. لقد أثبتت تركيا أنها في أمان بشعبها الحي المؤمن بالنظام الذي اختاره وبالمؤسسات التي بناها، لذا سيدي الرئيس لاحاجة إلى الممارسات الأمنية المبالغ فيها، فالأمن لم يكن أبداً خياراً لحكم الشعوب، ونجاحه في دوره يتجلى بحمايتهم وتوفير السلام والأمان لهم دزن أن يشعروا بوجودهم، بل من خلال احترامهم له وثقتهم به لأنه يحترم حقوقهم وفقاً للقانون الديمقراطي الذي اختاروه.

إن الممارسات التي تلت الانقلاب الفاشل من القبض هلى عشرات الالوف من الاشخاص في المجالات والمؤسسات كافة من تعليمية وعسكرية وأمنية وقضاء ومؤسسات المجتمع المدني والاعلام الى غير ذلك، لا تناسب أردوغان المناضل والزعيم التاريخي الذي عرفه العالم. لا يمكن أن تكون كل هذه الآلاف المؤلفة خائنة لوطنها، وإن كان هذا صحيجاً فثمة خلل ما في تلك الحالة بمؤسسة الحكم ذاتها لا بدّ مراجعتها وتصحيحها وفقاً لقواعد حقوق الانسان واحترام الكرامات وحرية التعبير والاختلاف في الرأي والمعتقد. العالم يريد ديمقراطية مسلمة لا تقل عن غيرها من الديمقراطيات الغربية، تحترم أهم حق من حقوق الانسان وهو حقه في الحياة. اعدام الاشخاص لم ولن يكون أبداً الحل، لذا نتمنى على تركيا ألا تعود اليه تحت أي ظرف من الظروف.

تركيا التي نريد، هي تركيا العدالة والمساواة وحقوق الانسان واحترام القضاء والاعلام.

فهل ستختار يا سيادة الرئيس الديمقراطية لتركيا الالفية الثالثة التي ولدت في 17 تموز، أم الديكتاتورية التي طالما كنت أنت أول من قاومها.

ولكن قطعاً يا سيادة الرئيس لا وجود لمصطلح جديد يحاول بعض الحكام أحياناً ابتكاره وهو

“الديكتاتو-موقراطية”؟ 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.