فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

نتانياهو يكشف عن مستقبل الشرق الأوسط الجديد

انعقدت هذا الاسبوع في نيويورك الدورة 71 للجمعية العامة للامم المتحدة والتي تبارى خلالها زعماء العالم من على منبر المنظمة الدولية بإلقاء الخطابات حول السلم والحرب في الشرق الاوسط وأوكرانيا، وعن انتهاكات حقوق الانسان في سوريا والعراق واليمن وليبيا، والتغير المناخي، ومشكلة الهجرة، وتجارة السلاح، ومصادرة الحريات وفشل الامم المتحدة في مهامها.

كان من بين الخطباء السيد محمود عباس رئيس السلطة الفلسطينية ومن بعده بنيامين نتانياهو رئيس الوزراء الاسرائيلي.

كان خطاب عباس تقليدياً انتقد فيه الإستيطان، وانتهاك حقوق الإنسان، ورفض اسرائيل لحق العودة والاشتراك في المؤتمر الدولي الخاص بفلسطين والتي تعتزم فرنسا الدعوة إليه في نهاية هذا العام، وأخيرا الطلب من بريطانيا الاعتذار من الشعب الفلسطيني عن وعد بلفور الذي مهد لانشاء الكيان الصهيوني في اسرائيل.

كان خطاب نتنياهو غير مألوف يتصف بالعنجهية والاستعلاء والغرور، ليس فقط تجاه العرب والفلسطينيين، بل تجاه جميع شعوب العالم دون استثناء. ففي سابقة وقحة وملفتة، قدم نتانياهو إسرائيل كدولة عظمى تحتاج جميع دول العالم استجداء صداقتها ودعمها والعمل معها.

فإسرائيل، كما قال: هي الديمقراطية الحضارية الوحيدة في الشرق الاوسط التي تمثل الغرب وقيمه الانسانية، بل تتعدى ذلك إلى حد إغاثة أعدائها كما فعلت مع الشعب السوري ( العدو لها) حيث أنشأت في الجولان المحتل مشاف ميدانية لاستقبال الجرحى السوريين وإيواء المدنيين الفارين من أتون المعارك غامزاً إلى وحشية وبطش النظام السوري.

أضاف نتانياهو: اسرائيل اليوم هي من الدول الرائدة في مجال الالكترونيات والمعلوماتية والطاقة النظيفة والمياه وإعادة تكريرها والصحة والتغير المناخي، تدعم وتساعد الدول الأخرى لكي تنمو وتتطور اقتصادياً وزراعياً وأمنياً ومعلوماتياً وفي مجالات عديدة أخرى.

وفي نظرات مليئة بالتحدي والتعالي أردف نتانياهو: اليوم اعترفت أكثر من 160 دولة في العالم باسرائيل – أي ضعف عدد الدول التي كانت تعترف بها منذ 3 عقود عندما كنت أمثل بلادي في الأمم المتحدة – والعدد في تزايد مستمر. حكومات العالم أدركت أهمية دور اسرائيل في محاربة الارهاب وحفظ الأمن العالمي وتقديم المشورة والدعم.

اسرائيل هي من أكبر المستثمرين في مجال أمن المعلومات، فمن يريد من الدول والمؤسسات والمصارف حماية معلوماته عليه الاتصال باسرائيل لمساعدته على تحقيق ذلك. ففي هذا المجال يبلغ حجم اسرائيل 200 ضعف حجمها السكاني.

أضاف نتانياهو: على مدى العقود الماضية كانت مؤسسات الأمم المتحدة تهاجم إسرائيل باستمرار متجاهلة دول مثل ايران، وكوريا الشمالية، وسوريا، وهنا أؤكد لكم أنّ هذا الأمر سيتغير في العقد القادم وستبحث معظم الدول عن صداقة اسرائيل. اسرائيل لم تشنق المثليين كما فعلت ايران بل سمحت لهم باجراء المسيرات الحرة في ظل حكومة الليكود المحافظة التي أرأسها. اسرائيل هي الرائدة في مساعدة الدول على محاربة الفقر والجوع والعطش وحماية النساء والاطفال والعمل على الآمن الغذائي والصحي على المستوى العالمي. لذا من الأفضل للأمم المتحدة ومؤسساتها أن تتوقف عن معاداة اسرائيل وتتصالح معها لتستبق الزمن لأنها خلال عقد منه ستهرول هي ومعظم الدول الأخرى في العالم الى اسرائيل طلباً لصداقتها.

قال: اسرائيل تفخر بمعاهدتي السلام المصرية والأردنية، وقد أدرك عدد أكبر من الدول العربية أن اسرائيل ليست عدواً لهم، بل عدوهم الحقيقي هو إيران. لذا على الأمم المتحدة أن تعي أن السلام في الشرق الأوسط لن يأتي من خلال مؤتمرات الأمم المتحدة بل من خلال المحادثات المباشرة بين القدس ورام الله وفقط بعد الاعتراف بحق اسرائيل بانشاء دولة يهودية واحدة.

أضاف نتانياهو: السيدات والسادة،

زميلي محمود عباس ما زال يعيش في الماضي. فهو يطالب بريطانيا بالاعتذار من الشعب الفلسطيني على وعد بلفور، أي أنه لا يعترف بحق الشعب اليهودي التاريخي بإقامة دولة يهودية على أرض الميعاد. محمود عباس يهاجم اقامة المستوطنات، وكأنها هي المشكلة. لقد فككنا مستوطناتنا في غزة والخليل ويهودا والسامرا ولم نحصل على السلام ! بل استمر الفلسطينيون بمحاربتنا. اليوم وبعد سبعين سنة من قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، أقول للسيد عباس لو وافق العرب منذ البداية على قرار التقسيم لما وجدت مشكلة اللاجئين ولا الصراع الاسرائيلي الفلسطيني اليوم.

ببساطة كيف نحلل خطاب نتانياهو وماذا يمكن أن نقرأ بين سطوره؟:

  1. خطاب متعال ومتعجرف وبلغة غير مسبوقة.
  2. أنّ اسرائيل أثبتت تفوقها على العرب مجتمعين وأصبحت أهم قوة اقليمية في المنطقة.
  3. لا تهتم اسرائيل بالأمم المتحدة ومؤسساتها وبالتالي لا تحترم قراراتها.
  4. اسرائيل هي دولة عظمى الآن وعلى دول العالم أن تدرك ذلك وتتعامل معها على هذا الأساس.
  5. العالم يشهد متغيرات كثيرة على كافة الأصعدة واسرائيل ستكون لاعباً مهما في العقد القادم لا يمكن لأحد تجاهله.
  6. الصراع العربي الاسرائيلي وإقامة دولة فلسطينية قضية أصبحت من الماضي. إنّ حل القضية الفلسطينية وما يتفرع عنه من قضايا لن يكون من خلال الأمم المتحدة ومؤسساتها بل من خلال الآلية التي توافق عليها اسرائيل وبشروطها.
  7. الشرق الأوسط سيكون المنطقة التي سوف تشهد أكثر هذه التغيرات التي ستشمل إعادة توزيع جيوسياسي لشعوبها وتقسيمات جديدة تختلف عن خارطة سايكس بيكو: سوف تنشأ دول جديدة وتُقسّم أخرى إلى مجتمعات أثنية ودينية تمنح الشرعية الأممية لوجود الدولة اليهودية المنشودة، وتجعل من اسرائيل أكبر قوة مؤثرة في المنطقة تقدم الحماية والتكنولوجيا والمساعدات للدول المسخ الصغيرة التي ستنشأ دون أن يكون لها مقومات الدول.
  8. التحضير الديماغوجي لما ورد أعلاه قائم على قدم وساق، وما القتل والدمار والتهجير والفوضى الخلاقة إلا وسيلة لتركيع الشعوب ودفع اليأس في النفوس لقبول أي طرح أو تشكيل
  9. مهما كان مناقضاً لطموحاتهم إذا ما حمل وقف القتل والتجويع والمأساة الانسانية.
    سوف يشكل التقسيم خارطة جديدة تتألف من مجموعات من الدول المتحالفة والمتصارعة مدعومة من راع اقليمي وآخر عالمي.
  10. سوف تشكل هذه المجموعات المتصارعة سوقاً كبيرة لشراء الأسلحة تستنزف المنطقة اقتصادياً وسياسياً وديمقراطياً وتؤخر نماءها المجتمعي والعلمي والثقافي خلال العقود القليلة القادمة الباقية من عمر انتاج البترول في المنطقة.

شعرت وأنا أتابع خطاب نتانياهو هذا بالأسى لحالنا نحن شعوب المنطقة من عرب وتركمان وأكراد وبربر وشركس وشيعة وسنة ومسيحيين ودروز وأرمن وآشوريين ويزيديين وعشائر وقبائل وغيرهم من المكونات الحضارية المختلفة التي عاشت منذ آلاف السنين في هذه المنطقة وكانت على الدوام محتلة من غيرها بسبب انقساماتها وانتماء شعوبها إلى مكوناتهم لا أوطانهم.

ألم يحن الوقت لكي نتعلم من أعدائنا. لقد خرج اليهود من الحرب العالمية الثانية مشتتين أسراً وأفراداً نتيجة الابادة الجماعية التي تعرضوا لها على يد النازيين في الهولوكست. نظموا صفوفهم وتوحدوا أينما وجدوا وقدم أغنياءهم المال الوفير لتمويل حلمهم ودعموا المهاجرين إلى فلسطين بالعتاد والسلاح ومكنوهم من الانتصار على كل الجيوش العربية التي كانت كما هي اليوم منقسمة سيئة التسليح والقيادة والتنسيق.

اليوم حالنا كحال العرب عام 1948. اليوم مكوناتنا المجتمعية ترفع رايات قومياتها وطوائفها ودياناتها على حساب وحدة الوطن والمجتمع. المال الوطني غائب يتخفى وراء مصالحه الخاصة ويتذرع بأنه يخاف أن يتهم بدعم الارهاب. المال الوطني الذي غاب عن دعم ثورة الشعب السوري السلمية ومظاهراته التي كانت تطالب فقط بالحرية والعدالة والمساواة والتعددية ، مما دفع الثورة وللأسف إلى اللجوء يائسة إلى المال الخارجي وأجنداته غير الوطنية.

من ليس له وطن ليس له هوية، ليس له كرامة، ليس له وجود,,,

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.