فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

عندما تفقد الأمم أخلاقها

فيتو روسي جديد في الأمم المتحدة ضد قرار فرنسي أوروبي يقضي بوقف القصف الجوي والأعمال القتالية في حلب.

حلب من أقدم المدن في تاريخ المنطقة، مدينة عمرها يقارب الـ 5000 عام، كانت عاصمة مملكة أرمان منذ 3000 عام وعاصمة لسلالة العموريين في الفترة بين 1800 و 1600 قبل الميلاد، وعاصمة الدولة الحمدانية عام 944 ميلادية تحت حكم سبف الدولة الحمداني. ونظراً لمكانتها التجارية المميزة وموقعها الجغرافي الاسترانيجي الحساس تعرضت حلب عبر العصور للعديد من الغزوات؛ من الغزو الصليبي حتى الفرنسي مروراً بالمغولي والفارسي والعثماني.

حلب مدينة التاريخ والأصالة والعراقة أصبحت اليوم المدينة الشهيدة التي دمرها النظام الأسدي المجرم وحلفائه الروس والايرانيين الذين ما زالوا يصرّون على الاستمرار في تدمير المدينة وقتل أبناءها وتهجيرهم لتحقيق مخططهم الجيوسياسي والديموغرافي المتمثل بإنشاء حزاماً طائفياً يمتد من إيران إلى البحر الأبيض المتوسط يفصل بين تركيا والدول العربية الأخرى ويشكّل حائطاً أمنياً يحمي حدود اسرائيل الشمالية ويقسم سوريا والمنطقة إلى دويلات طائفية وأثنية ضعيفة تُشرّع وجود الدولة اليهودية تضم الجولان السوري وتلغي مشروع تأسيس دولة فلسطينية إلى الأبد.

اليوم تتعرض حلب بشكل يومي إلى قصف وحشي بهدف تدمير الحجر والبشر والتاريخ، ويعاني الحلبيون الأصيلون الصامدون في حلب حصاراً خانقاً يحرمهم من الماء والطعام والدواء والحد الأدنى من مقومات الحياة المدنية حتى أصبحوا مهددين إما بالقتل أو الموت جوعاً، حلب مهددة بالزوال الكلّي عن الخريطة كما قال بان كيمون في تصريحه الأخير.

الفيتو الروسي أتى في هذا السياق وفي غياب تام لسياسة أمريكية وازنة في الشرق الأوسط. فالروس يرغبون بتمكين الأسد من فرض سيطرته على ما يسمّى بسوريا المفيدة (حلب، حمص، حماه، الساحل السوري ودمشق) مستفيدين من فترة الوقت الضائع بانتظار نتائج الانتخابات الأمريكية التي ستجري في الثامن من تشرين الثاني القادم. اليوم عادت روسيا إلى الشرق الأوسط من أوسع أبوابه، ووصلت قواعدها لأول مرة في تاريخها إلى تخوم حدود الدول المصدرة للبترول وخاصرة تركيا الدولة العضو في الحلف الأطلسي. أصبح لروسيا اليد العليا في سوريا وبخاصة منابع الغاز المكتشف في البحر المتوسط في منطقة تتشارك فيها عدة دول وهي سوريا ولبنان وقبرص واسرائيل وتركيا. فما يهم روسيا هو الأمن الاقتصادي لصادراتها من الغاز إلى أوروبا، هذه الصادرات التي قفزت في الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري بمقدار 10.7 مليارات متر مكعب مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي. فروسيا آخر ما ترغب به وجود مصادر بديلة للغاز في الشرق الأوسط ، مصادر منافسة لها وقريبة من أوروبا أهم مستورد للغاز الروسي.

لقد شهدت العقود الثلاثة الأخيرة (سبعينات وثمانينات القرن الماضي) صعود الاسلام السياسي المسلح برعاية أمريكية بحجة مقاومة الغزو الروسي لأفغانستان. فأمريكا ريغان هي التي أوجدت بن لادن واتخذته حليفاً وشجعته على تسويق مفهوم الجهاد وحشد الشباب المسلم لمحاربة المد الشيوعي في أفغانستان بالوكالة. سمحت أمريكا للإسلام المتطرف بخلق كل البنى التحتية المالية والمجتمعية القادرة على تأمين التسليح وتجنيد المجاهدين وتوفير المال اللازم لحربها. عندها بدأنا نسمع، في الشرق الأوسط، بالمصارف الاسلامية وشركات التأمين الاسلامية وتكاثرت الجمعيات الخيرية الاسلامية لجمع التبرعات بحجج مختلفة كان 90% منها يذهب لتمويل التسليح وتعبئة الشباب المسلم من مختلف البلدان للمشاركة في الجهاد.

وبعد انتصار المجاهدين في أفغانستان وانسحاب روسيا وانكفاءها بسبب سقوط الشيوعية. شيطن بن لادن الغرب وحول مؤسستة السياسية الاسلامية العسكرية إلى عدو للغرب وما يمثله من معتقدات، وشهد العالم ولادة التطرف الاسلامي ومن بعده الارهاب الذي ألبسه الغرب لباس الاسلام وهو منه براء.

تمكنت روسيا (بوتين) من الاستفادة من المعطيات السياسية والعسكرية التي توفرت لها في المنطقة وأصبحت تتطلع إلى المزيد من النفوذ ضاربة عرض الحائط بكل المثل والمبادئ الأخلاقية للأمم وحقوق الانسان في زمن الحرب والسلم على السواء. وروسيا بوتين نظام فاشي يعادي الاسلام السنة ويعتبرهم تهديداً له لمحاربتهم له في الشيشان والقوقاز. اعتبرت روسيا أنّ ما أتيح لها في سوريا يشكل الفرصة المثلى لرد الصفعة التي تلقتها من الغرب في أوكرانيا ويسمح لها بشيطنة أعداءها من الاسلام السنة ويحشد ضدهم العالم الغربي. شجعت روسيا الأسد على البقاء ودعمت سيايسته التي اعتمدها منذ بدء الثورة بتقديم نفسه -كذباً – على أنه الخيار الوحيد للحفاظ على استقرار المنطقة وحماية الاقليات فيها وضمان التعايش بين مكوناتها، وأنّ البديل ألوحيد عن نظامه هو الارهاب السني الوحشي والفوضى الخلاقة. أسس النظام داعش وسلمها آبار النفط في الشرق السوري لتوفير التمويل الذاتي لها، وأهداها ترسانة من الأسلحة الحديثة والمتطورة تخلى عنها  جيش المالكي في غفلة من الزمن؛ فتشيطنت المنطقة وامتد الارهاب المنظم ليطال دول العالم دون تمييز، وازدادت جموع النازحين الهاربين من الموت فكانت أزمة المهاجرين الت أقلقت العالم ونجح المخطط الروسي السوري الايراني.

يقوم النظام وحلفاؤه اليوم باستخدام سياسة البطش الأعمى وسياسة الأرض المحروقة والابادة الجماعية النوعية لكتابة الفصل الأخير من مخططهم قبل الوصول إلى تقسيم سوريا، وفرض الأمر الواقع، والبدء بتغيير ديموغرافية سوريا السكانية وتوطين مكونات جديدة من غير السوريين من لون واحد لتحقيق الهلال أو الحائط الشيعي المنشود.

يجري ذلك وسط صمت عالمي مُخزٍ سيكون عاراً في تاريخ الانسانية. فروسيا تمكنت بفيتوهاتها الخمسة من فرض الشلل على المجتمع الدولي ومؤسساته، فبات جُلّ ما يمكن أن يتحقق من خلال الأمم المتحدة إعلان الاستنكار وإطلاق التنبيهات وطلب الرحمة والشفقة من الجزارين والقتلة أنفسهم.

العالم بقيادة البلاشفة الفاشيين الروس وبسبب تقاعس العملاق الأمريكي والعالم الغربي من وراءه عن القيام بدورهم يؤكد الفشل التام لكل ما تمّ بناءه من أخلاقيات دولية وعالمية في العقود الماضية التي تلت الحرب العالمية الثانية، ويمهد إلى نشوء حرب عالمية ثالثة عنقودية تتفجر في أشكال مختلفة منها الارهابي ومنها الدولي التقليدي وربما الكيميائي والنووي.

السوريون وللأسف غائبون تماماً عما يحصل، فبعضهم باع نفسه للشيطان، وآخرون يسحقهم المخطط الهمجي المجرم، وفئة ثالثة انتابها اليأس وانكفأت، والبقية القليلة الباقية تقاوم بضراوة ولكنها تشعر بالخيانة ولم تعد قاعدتها الشعبية قادرة على احتمال ما يجري دون أن يلوح لها بريق أمل في الأفق.

فقدت الأمم أخلاقها، فهل علينا أن نفقد شجاعتنا وعزيمتنا أم علينا الاستمرار في الدفاع عن وطننا لأن من ليس له وطن لن يكون له كرامة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.