فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

روسيا وأمريكا واللعب في الوقت الضائع

يعلم الجميع أنّ خطة السلام (او التهدئة إن صح التعبير) التي يروج لها ديمستورا ويدعمها الروس والامريكان هي نوع جديد من الاقتتال والصراع العسكري والسياسي وتمديد للقتل والتدمير تجاه الشعب السوري بهدف تركيعه وكسر إرادة الثوار وحاضنتهم الشعبية من خلال المزيد والمزيد من القصف الوحشي والحصار والتجويع وغير ذلك من الفنون الوحشية التي تبارى قتلة الشعب السوري جميعاً على ابتكارها.

فالانتخابات الأمريكية على الأبواب (8 تشرين الثاني 2016) وأوباما الذي فشل في تنفيذ وعوده التي قطعها على نفسه، من على منبر جامعة القاهرة في بداية إدارته الأولى، وهي دعم الديمقراطية ومنح الشعوب حقوقها في الحرية والعيش الكريم، لن يستطيع أن يحرك ساكناً قبل خروجه من البيت الأبيض.

إن كل ما نشاهده من رحلات بهلوانية واجتماعات هوائية يعقدها كيري ولافروف ليست في الواقع إلا ألعابأً سياسية:
فروسيا بوتين تريد أن تحصل على أكبر قدر ممكن من التنازلات الأمريكية من رجل البيت الأبيض الذي حلّ لعنة على السوريين وعلى القيم والنظم الأممية التي حكمت العالم بعد الحرب العالمية الثانية. فللمرة الأولى في التاريخ سمحت أمريكا لروسيا أن تصل قريبة من منابع النفط بهذه الدرجة وأن يكون لها قواعد عسكرية ثابتة في خاصرة الحلف الأطلسي وأن يكون لها أيضاً الكلمة الفصل في منطقة الشرق الأوسط.

قلبت سياسة أوباما الموازين وحولت الصراعات والحروب العالمية التي كانت تجرى عادة في مناطق بعيدة عن بلاد النفط وحدود أوروبا، كما كانت الحالة في القرن الماضي – في فييتنام وكمبوديا وكوريا والفلبين وسيريلانكا والباكستان وأفغانستان وغيرها من بلدان الشرق الأدنى والأقصى، والتي كانت أهدافها مقاومت المد الشيوعي وتنمية مبيعات مصانع الأسلحة الأمريكية وتجربة الأسلحة الجديدة التي يصنعونها لقتل الشعوب المسكينة والتدرب على أبشع أنواع انتهاكات حقوق الانسان في التاريخ باسم الأمن – أصبحت هذه الحروب تجري اليوم في قلب أهم منطقة في العالم اقتصادياً وحضارياً وتاريخياً وعلى الحدود الجنوبية المتاخمة للغرب الأوروبي. لاأحد يعلم حتى الآن إن كان هذا مخططاً أمريكياً جديداً يهدف إلى تركيع شعوب الشرق الأوسط وترهيب شعوب أوروبا، أو جداراً فاصلاً يمنع هذه الشعوب من التكامل وبناء جسور الصداقة بين الشرق الأوسط وأوروبا، جدار يبنى من مواد جديدة مختلقة قام بصنعها عباقرة الشر في العالم، مواداً باتت تعرف اليوم باسم الارهاب الاسلامي المتطرف.

المؤسف في الأمر أنّ جهابذة ما يسمون أنفسهم بسياسيي المعارضة بأطيافهم المختلفة وزعماء الفصائل المسلحة الذين اغتصبوا الثورة باسم مسميات وأجندات خارجية، لم يدركوا بعد أنّهم خارج اللعبة بالمطلق وأنّ لا أحد يحترمهم ولا يأخذ باعتباره آراءهم، بل أنهم جزء لا يتجزأ من اللعبة الكبرى لكسر إرادة الشعب السوري والدفع به إلى اليأس وإجباره على الخنوع وقبول الحلول الخارجية الأممية والاقليمية التي تُملى عليه لتفرقة المفرق وجعل منطقة الشرق الأوسط شعوباً متعددة تتصارع أثنياً وطائفياً وحضارياً، تكره بعضها بعضاً وقانونها عدم الثقة والتخوين والفساد والرشاوى. شعوباً تفرز دويلات وتحتاج على الدوام إلى راعِ دولي أو إقليمي أمريكي، روسي، اسرائيلي أو إيراني أو آخر من القوى الإقليمية التي تعمل بالواسطة.

ديمستورا يتحدث عن جولة جديدة من المحادثات، ولجنة التفاوض تقدم اقتراحات جديدة ومعارضة القاهرة وغيرها من المعارضات المدجنة تقدم اقتراحات أخرى، والمذهل أن الجميع توافقوا على أمر واحد وهو الحفاظ على المؤسسات وعدم اسقاط الدولة، والاستفادة من خبرات من لديهم خبرة في الحكم. والسؤال المطروح: “أية دولة تريدون الحفاظ عليها؟”، الدولة الأمنية ومؤسساتها من السجون القمعية التي سوف تتحدث جدرانها يوماً ما عن الجرائم اللآإنسانية التي نفذت في داخلها، من هم هؤلاء القادة الأمنيين الذين تريدون الحفاظ عليهم؟ أهو الوزير أو المدير المسؤول في أي مؤسسة مدنية أو مصرف أو حتى مدير مستشفى لم يصل إلى منصبه قبل أن يثبت ولاءه لعصابة الفساد ويصبح أحد مرتزقته وقبل أن يمرغ رأسه في مستنقع الذل والمهانة والتبعية، ويقدم لقادة النظام كرامته وكرامة أسرته قرباناً على مذبحهم الذي لا يكتفي أبداً.

على الشعب السوري أن يعي أن الثورة طويلة والحل بعيد.

السؤال إلى متى نقف مكتوفي الأيدي نشاهد تدمير الوطن بشراً وحجراً وتاريخاً.

الثورة لن تنجح إلا في تكاتف أبناءها المدنيين وعودتهم إلى الكفاح السلمي لا العسكري الذي أرادوه لنا وفرضوه علينا.
على الثورة أن تعود إلى جذورها وأصولها التي وضعها لها عرابوها من مثقفي دمشق وأطفال درعا.
وعلى المال الوطني السوري أن ينظم صفوفه لدعم حركة النضال الشعبية السلمية التي ستكون أسلحتها الاعلامية والثقافية والاجتماعية والحركية أمضى وأعتى من أي قنابل وأسلحة أطلقوها علينا أو يحاولون تسويقها لنا بطرائق مختلفة.

إذا الشعب يوماً أراد الحياة فلا بدّ من أن يستجيب القدر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.