فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

انقشع الضباب وبانت الرؤيا

تحولت الثورة السورية من انتفاضة شعبية محلية سلمية من أجلِ الحرية والكرامة والديمقراطية، إلى حرب أهلية دامية ووحشية دمرت البشر والحجر والتاريخ، ومن ثمّ تطورت إلى حرب إقليمية بين العرب والفرس والاتراك والاكراد وإسرائيل، لتمسي اليوم حرباً عالمية بين المصالح الاستراتيجية لأمريكا وروسيا على الأرض السورية.

الحرب التي نشهدها اليوم في سوريا لم تعد ترتبط بالشعب السوري إلاّ من حيث عدد الضحايا والشهداء والقتلى والمهجرين والمفجوعين؛ فقد قررت القوى الكبرى مصير الشعب السوري، وصدر قرارها بأنه ممنوع على هذا الشعب الذكي ذو الارادة الحديدية أن ينال حريته ويؤسس دولة ديمقراطية وطنية في هذه المنطقة الحساسة من العالم.

اليوم، بدأ ضباب سياسة الفوضى الخلاقة في الشرق الاوسط بالانقشاع، وبدأت تظهر معالم التشكيلة الجديدة – لما بدأ العالم بتسميته سايكس بيكو القرن الواحد والعشرين:

1- أمريكا هي في أضعف حالتها منذ الحرب العالمية الثانية؛ فهي من جهة: رهينة المصلحة الاسرائيلية التي لم تجد بديلاً يحمي مصالحها كما فعل الأسد، ومن جهة أخرى تحكمها إدارة برئيس هلامي كاذب، يفعل غير ما يعد، ويدعي غير ما يفعل، سياسته تعنى بإدارة الأزمة السورية لا حلّها، وتغيير تحالفتاها الاستراتيجية السابقة في المنطقة لحساب تدجين إيران وجعلها حليفاً مقنعاً يُشارك في صنع القرار، تستخدمه أمريكا لتمرير سياساتها التي تتعارض مع سياسات أصدقاءها العرب والخليجيين. رئيس لا يهتم بحقوق الانسان أو حقوق الشعوب طالما هي ليست من شعوب النخبة. رئيس مجرم بالوكالة، يريد إنهاء فترته الرئاسية – على المستوى الاعلامي – كرجل سلام جدير بجائزة نوبل التي نالها كسلفة على الحساب، حتى لو كان ذلك على حساب مئات الآلاف من الشهداء السوريين وعلى حساب قمعهم وقتلهم وتهجيرهم وتبديد حلمهم بالحرية والديمقراطية. أمريكا وهي تتحضر لحرب لانتخابات بمرشحين دون الحد الادنى من المستوى السياسي والاخلاقي المطلوب في رئيس أقوى بلد في العالم.
2- اسرائيل تريد القفز عن مشروع الدولتين الى دولة واحدة يهودية بسيادة اسرائيلية وإدارة محلية فلسطينية للضفة والقطاع. لم تجد من يحمي حدودها الشمالية كما فعل الأسد، فارتأت بأن مصلحتها تكمن بتقسيم المنطقة الى دويلات ضعيفة وقاصرة لا تشكل خطرا على أمنها، خاصة بعد قبولها بالبند السري في الاتفاق الايراني الامريكي المتعلق بحماية أمن اسرائيل على حساب السماح بالمد الشيعي وقبول إيران لاعباً في المنطقة.
أوروبا، أثبتت بالفعل أنها القارة العجوز، لم تستطع حكوماتها أن تشارك في صنع القرارات الاستراتيجية والاقليمية، فاكتفت باللهاث وراءها والتصفيق لسياسات الولايات المتحدة وروسيا واسرائيل والتعامل مع نتائجها.
3- داعش ومنظمات الارهاب التي تدعي برفع رايات الاسلام الذي هو منها براء. مجموعات ضلالية مجرمة ومخربة هي العدو الاول للاسلام والانسانية. عصابات مسلحة تعمل وفقاً لارادات مخابرات دولية هدفها تهديد دول المنطقة ومجتمعاتها لتمرير سياسات التقسيم الجديدة في القرن الواحد والعشرين.
4- إيران أخذت الموافقة لتكون لا عبة اقليمية في المنطقة تشارك في صنع القرارات الاستراتيجية وتعمل على مد المذهب الشيعي في الخليج وبلاد الشام على حساب تراجع الاسلام السني وفشل مشاريع الاسلام السياسي ويروز ما بات معروفاً بالارهاب السني وتهديده أمن دول المنطقة والعالم.
عرف أردوغان تركيا أن عليه أن يؤجل حلمه في العودة من الباب السوري والفلسطيني الى قلوب الشعوب العربية، وأن مصير تركيا يرتبط بمصير سوريا للتشابه الكبير بين موزاييك مكوناتها الاثتية والدينية والقومية، وأن وحدة تركيا يرتبط بالحفاظ على وحدة سوريا.
5- الدول العربية كما عهدناها متعددة المواقف تلحق بالاحداث ولا تصنعها، تختلف بين داعمة للنظام ومعارضة له، تتملق وتكذب وتتوزع الأدوار والمواقف وفقاً لما تظنه يخدم أولوياتها الخاصة ومصالحها. يحاول من يدعي منها بمساعدة السوريين المهجرين لديه الاستفادة من المساعدات المقدمة اليهم واغاثتهم وفقاً لقوانين تقوم باذلالهم وقهرهم أكثر من إغاثتهم.
6- سقط النظام منذ أن أطلق الرصاصة الاولى على أطفال درعا ومثّل بجثثهم، وقام بالمجازر وذبح البشر وهدم الحجر وسرق التاريخ ودمر آلاف السنين من الحضارة قبل أن يساهم في صنع داعش والسماح للارهاب الشيعي الايراني باستباحة سوريا عسكريا وسياسيا واقتصاديا والسيطرة على مقدرات البلاد. خسر نظام الأسد أكثر من مائة ألف قتيل من الطائفة العلوية وأصبح استمراره عبئاً عليها. انهك الجيش النظامي عسكرياً وبشرياً ونفسياً خلال 5 سنوات من الحرب الضروس، حتى أصبح الهرب من الجندية أمل المجندين، خسر النظام عندما خسر جيشه عقيدته القتالية وأيقن جنوده الطائفية العمياء القذرة التي تتحكم بقيادته.
7- معارضة سورية بتشكيلات خلبية أثبتت فشلها وارتهانها لأجندات ممولي رواتبها ومصاريفها وأوامرهم، خسرت ائتلافها وحكومتها المؤقتة المصداقية واحترام الشعب السوري لهما. مؤسسات موجودة اسماً ومهمشة شكلاً، محكوم عليها بالتفكك والانحلال والأمر مسألة متى وكيف؟ بهدف المحافظة على المكاسب القليلة التي حققتها وعلى رأسها الاعتراف العربي والعالمي.
8- الشعب السوري البطل على أبواب السنة السادسة من الثورة وهو أقوى عزماً وأصلب إرادة على الرغم من كل الوحشية والقمع الذي تعرض له، وعلى الرغم من الخذلان والخيانة التي ووجه يها من قبل من سمو أنفسهم بأصدقاء الشعب السوري.
9- روسيا تريد أن تدافع عن آخر معاقلها فيما بعد البحار وتثبت نفسها كدولة كبرى، لا تريد ترك القرار النهائي في حل الازمة السورية ليكون رهناً بمصالح شريكها الايراني ووفقاً لارادته. تدرك روسيا أن الأسد قد انتهى وأنه لم يعد الشخص المناسب ليحمي مصالحها في سوريا والمنطقة.

روسيا تريد حماية أمنها الاقتصادي وتمنع غاز الخليج من الوصول الى شواطئ البحر الابيض المتوسط، كما تريد أن يكون لها الكلمة الفاصلة في استخراج الغاز المكتشف في المنطقة وتصديره. روسيا تريد أن تملئ الفراغ الذي تركته وسوف تتركه أمريكا وتجد فيه فرصة سانحة لتعود بقوة لتعيد للعالم ثنائية القطب.

الجميع لديهم مصالحهم وأجنداتهم التي تتلاقى في نقاط وتتقاطع في أخرى وتتعارض في ثالثة.

فما هي الخارطة الجديدة للشرق الاوسط؟

سوريا مقسمة الى منطقة تشمل دمشق وما حولها والساحل السوري وحمص وكل المساحات المجاورة للحدود اللبنانية السورية تكون تحت سلطة ما سوف يسمى بالحكومة الانتقالية ذات النفوذ الواسع برئاسة الاسد على الاقل حتى عام 2018.
منطقة دير الزور وتدمر والرقة الى الشرق لتتصل بالاراضي العراقية التي تسيطر عليها داعش لتشكل دويلة الغاية منها تهديد أمن المنطقة واقناع العالم بوجود ارهاب اسلامي سني يهدد أمنه.
شمال شرق سوريا من الحسكة وحتى اعزاز تحت سيطرة المقاتلين الاكراد بأمل إعلان ما يسموه بدويلة ضمن فدرالية لا يمكن تحقيقها الا في أحلام لا ترتبط في الواقع. الهدف من هذه الدويلة تهديد أمن تركيا ولجم طموحاتها في التوسع على حساب السيطرة على شمال سوريا على طول الحدود التركية السورية.
مناطق محررة بمساعدة تركيا في الشمال السوري تشمل حماه وادلب ومنطقة جنوبية برعاية أردنية يتم تسليمهما الى ما يسمى بالمعارضة، العاية منهما اظهار فشل المعارضة وفسادها وإدارة الأزمة حتى تتبلور ظروف أخرى.
حلب ستبقى منطقة صراع بين داعش وأمراء الحرب والكتائب الاسلامية المتطرفة والنظام مع وقف لاطلاق النار حتى اشعار آخر .
المهم في ما سبق لمن سيكون القرار النهائي. الضباب بدأ ينقشع، وعلى السوريين أن يقرأوا التاريخ ويتعلموا منه أن إرادة الشعوب لم تقهر وأن النصر الأخير سيكون لارادتهم وصمودهم ونضالهم. قد لا يملكون الاسلحة النوعية الآن ولكنهم يملكون العقيدة والايمان والحس الوطني.

الوطن على مفترق طرق والاشارات الضوئية لن تعمل في النهاية الا بأيدي الشعب السوري الثائر وإرادته التي عجز الجميع عن قهرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.