فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

الصرصار الأخضر

أذكر انه كان يوم عيد الأم. دعوت طليقتي وابنتي الوحيدة وبعض أصدقاءها المقربين على العشاء للاحتفال بهذه المناسبة الغالية. وفي قبرص تكون حرارة الجو في شهر آذار معتدلة جداً بحيث يفضل بعض زوار المطاعم اختيار طاولة خارجية على الشرفة للتمتع بهواء عليل يدغدغ البشرة حتى ولو اضطرهم ذلك الى التسلّح بجاكيت من القطن يضعونه على أكتافهم. والأهم من كل ذلك أنّ جلوسهم على الشرفة يسمح للمدخنين منهم بممارسة أسوأ عادة عرفتها البشرية فيتباروا في اشعال سجائرهم وتدخينها وينفثون دخانها في وجوهنا غير عابئين بسعالنا ولا بانزعاجنا الذي يبدو واضحاً للعيان.

من بين صديقات طليقتي عدد من السيدات المدخنات اللواتي تسابقن لاحتلال اماكنهن على طاولة كبيرة كنت قد حجزتها على الشرفة. وبينما نحن منهمكين في تحديد أماكن الجلوس وتوسيع عشرات الموبايلات والحقائب النسائية وجاكيتات القطن والشالات فوق الطاولة وعلى الكراسي الى غير ذلك من الهرج والمرج، واذا بصيحة استغاثة نسائية تطلقها إحدى المدعوات (ياي ياي ياي ولي عليك) وهي تهرول بعيداً عن زاوية الشرفة المغطاة بعريشة جميلة من ورق العنب الفتي والأزهار الملونة والياسمين. ظننا أن مكروها عظيما قد أصاب السيدة وهرعنا لنجدتها لنتبين أنها شاهدت صرصاراً أخضراً من تلك التي كتب عنها “لافونتين” و”كليلة ودمنى” في قصص الأطفال. كان الصرصار المسكين يستعد لاحتلال مكانه على ورقة عنب خضراء مصطحباً قيثارته ليصدح أناشيده الغناء في أمسية جميلة ويحتفل مع المحتفلين على طريقته الحشراتية.

هنا استلت احدى الصديقات من ذوات الشأن والمنصب الرفيع والثقافة الجامعية احدى لوائح الطعام وهجمت محاولة اختراق الجمع وهي تزمجر وتتوعد هذا الصرصار المسكين الذي بقي قابعاً في مكانه لا يدري بالخطر المحدق بحياته. وعلى طريقة “سوبرمان بطل طفولتنا” ظهرت في وسط الجمع، نادلة شابة رائعة الجمال أعتقد أنها من بلد من بلاد البلطيق – لا أدري من أين أتت وكيف وصلت إلى مكانها – وقطعت الطريق على صديقتنا الغازية طالبة منها الهدوء ومشيرة لها بأن لا تقلق فستقوم هي بتدبر أمر هذا الصرصار وتريحها منه. توقفت صديقتنا المغوارة وهدأت من صراخها بينما التفتت النادلة وتوجهت الى الصرصار الأخضر بكل هدوء وأمسكت به بأناملها الناعمة الجميلة واصطحبته الى نبتة بعيدة وحررته عليها وكانها تقول له اذهب بسلام عمت مساءً.

شعرت باحساس غريب يسري في بدني بل قشعريرة من مشاعر انسانية لا يمكن وصفها ونظرت الى النادلة الجميلة وبدأت أتابع حركاتها بينما كان الجمع يحتل مكانه ويتحدث عن هذا الانتصار الكبير وكيف تم حسم المعركة لصالحنا في حين كانت السيدة المغوارة “من شبيحة الحشرات” تتبجح وتقول لو تركتني “هالجرسونة كنا خلصنا منو بركي رجع لعنا بعد شوي!”.

أما أنا فكأنني تعرضت لحالة من التنويم المغناطيسي، أصبحت أتابع بنظراتي هذه النادلة التي ذهبت الى الداخل لتغسل يديها – على ما أظن – وعادت لتقوم بواجبها في خدمتنا. كانت نظراتي إليها تنم عن الاعجاب والفضول، وكان تفكيري مشغولاً بتقييم مكنون هذه الانسانة التي لم تسمح لها انسانيتها وأخلاقها قتل كائن حي بريء بل حشرة بمرتبة صرصار. كنت أحاول أن أفهم الفارق بين الشخصين الذين تصرف كل منهما من وحي من ثقافته الاجتماعية وتقاليده وايمانه بالخلق وفهمه لمعنى الانسانية.

شعرت هذه النادلة بنظراتي التي تلاحقها وارتبكت واحمرت وجنتاها فكان علي أن أعرفها على طليقتي وأشرح لها المناسبة التي ساقتنا اليها وعبرت لها عن اعجابي بتصرفها وسألتها من باب تبادل الثقافات أن تشرح لي سلوكها الرائع هذا، استغلابت النادلة دهشتي من أمر أكثر من عادي في مفهومها وأجابتني ببساطة شديدة:

أنا أصلاً طالبة في كلية الطب وأعمل هتا نادلة لأستطيع أن أدخر ما يسمح لي بمتابعة دراستي لاحقاً، لذا أقدر الحياة وأثمنها. من ناحية أخرى، علمتني أمي أنّ الحياة مقدسة، أكرم الله بها على مخلوقاته كافة وأنه علينا المحافظة عليها لارضاء الله والاحساس بانسانيتنا وانه لا يصح اهدارها أو القضاء عليها بلا سبب لاننا لا نعرف كينونتها ومآلها.

قصة قصيرة رغبت في سردها وأنا أتساءل إذا كان جلاد سوريا وشبيحته ومن يدور في فلكهم هم حقيقة من خلق الله أو ينتمون أصلاً إلى بني البشر؟

قد يرى البعض بعض السذاجة في هذه الحادثة ولكنني لم أنساها أبداً فقد غيرت في نفسي الكثير ودفعتني الى تبنّي سلوكيات جديدة تنسجم مع ما تعلمته من هذه الطالبة الطبيبة من درس في معنى الانسانية.

ولا أكتمكم سرّاً تمنيت أن أصبح صرصاراً وأعترض طريق هذه النادلة الجميلة في كل مساء.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.