فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

الديمقراطية العجيبة على الطريقة اللبنانية

عُيَّن اليوم – عفواً انتخب – الجنرال ميشيل عون رئيساً للجمهورية اللبنانية بعد فراغ رئاسي دام ثلاث سنوات (منذ أيار 2014) عندما انتهت مدة ولاية الرئيس ميشيل سليمان وفشل البرلمان اللبناني من انتخاب رئيساً جديداً بسبب الصراع السياسي المحتدم بين الكتلتين الرئيسيتين اللتين تشكلتا في لبنان بعد اغتيال رفيق الحريري والانسحاب المخزي – عفواً الطرد – الذي تعرض له الجيش السوري في عام 2005 إثر القرار رقم 1559 الذي صدر عن محلس الأمن.

انقسم اللبنانيون واختلفت الاحزاب اللبنانية فيما بينها – بعد زوال النفوذ السوري المباشر – إلى معسكرين رئيسين أطلقوا على تجمعهما السياسي اسم كتل. تشكلت كتلتان اختلفت انتماءاتهما السياسية وأجنداتهما وابتعدت وتضاربت بحسب ممولهما الخارجي الرئيس؛

– تشكلت كتلة 8 آذار بتمويل إيراني وتألفت من حزب الله (عميل إيران والنظام السوري)، والأحزاب التي ما زالت تطلق على نفسها لقب تقدمية، وأصدقاء سوريا وفلولها في لبنان كسليمان فرنجية وآخرين من مرتزقة وتابعين. لحق بالركب بعد فترة ميشيل عون وحزبه بعد أن أيقن أن زعماء الأحزاب السياسية في الكتلة الأخرى لن يرشحوه لرئاسة الجمهورية.

– أما الكتلة الثانية فتشكلت بتمويل سعودي خليجي وترأسها تيار المستقبل برئاسة سعد الحريري ابن الشهيد رفيق الحريري (ابن المملكة السعودية المدلل) وحزب الكتائب والقوات اللبنانية وبعض الأحزاب والزعماء الآخرين الأقل أهمية.

ومنذ 2005 بدأ في لبنان صراعاً لا مهادنة فيه بين المصالح الاستراتيجية للمحور الايراني السوري والمحور السعودي الخليجي، انعكس سلبياً على لبنان على المستويات كافة، الأمنية والاقتصادية والاجتماعية والخدمية والسياحية حتى وصل الحال إلى درجة تهديد استقرار كيان البلد وخطورة الدفع به للانجرار في الفوضى الخلاقة المدمرة التي تحرق المنطقة ككل.

وفجأة وبقدرة قادر، خرج مارد الوطنية وحب الوطن من مصباح علاء الدين:

– وإذا بسمير جعجع رئيس حزب القوات اللبنانية يتصالح مع عون ويبايعه ترشيحه لرئاسة الجمهورية وهو الذي كان المنافس الأول له طوال 11 عاماً. اختار الرجل أسوأ الشرّين حين أيقن أن أمله في الكرسي الرئاسي أصبح سراباً ووجد أنّ الرئيس أمين الجميل مرفوض كلياً وبالتالي يبقى التنافس بين عون وسليمان فرنجية العدو اللدود لجعجع وكيف لا؟ وسليمان الطفل شهد بأم عينه المجزرة التي قام بها المجرم جعجع وقتل فيها والده طوني فرنجية وعدد من أفراد أسرته خلال الحرب الأهلية اللبنانية.

– كانت المفاجأة الكبرى عندما أعلن سعد الحريري بعد اجتماع بينه وبين عون أنّهما اتفقا على الخطوط العريضة وأنه بايعه كرسي الرئاسة للحفاظ على استقلال لبنان ووحدته ومؤسساته وحمايته من أخطار الدمار والتفكك الاجتماعي القائم في لبنان والمنطقة. فوجئ حلفاء الحريري بموقفه هذا وساروا في الركب دون أن يفهموا الحقيقة وراء السبب الرئيس الذي دفعه إلى اتخاذه لقراره.

كان عون قائداً للجيش اللبناني في نهاية التسعينات من القرن الماضي، وفي عند نهاية المدة الرئاسية للرئيس أمين الجميل، استولى عون على السلطة وشكل وزارة عسكرية من 5 ضباط في تحدّ سافر للقوات اللبنانية التي كانت مسيطرة على المنطقة الشرقية من بيروت وازدواجية لحكومة الحص الموالية للنظام السوري التي كانت تحكم في المنطقة الغربية. قام عون بمعاداةحافظ الأسد وشن حربا ضد الجيش السوري أسماها حرب التحرير! تحالف خلالها مع سمير جعجع وقواته بدعم من عراق صدام حسين. غير أنّ شهر العسل بين جعجع وعون انتهى بعد توقيع اتفاق الطائف الذي عارضه عون وذهب أبعد من ذلك فوضع أسماء النواب الذين حضروا مؤتمر الطائف على قائمة المطلوبين. هنا، استعرت حرب مدمرة بين المسيحيين القواتيين من جهة والجيش اللبناني بقيادة عون من جهة أخرى أحرقت المنطقة الشرقية وتسببت بعشرات الآلاف من الضحايا والشهداء ومئات الآلاف من الشباب الذين هاجروا من لبنان الى مختلف دول العالم.

غير أن النظام السوري وبموافقة أمريكية اسرائيلية أخذ الضوء الأخضر وهاجم قوات عون بالطائرات والمشاة وهدد وجوده في قصر بعبدا، فإذا بالعماد عون البطل يفر من قصر بعبدا المقر الرئاسي للرئيس اللبناني ويترك شبابه وجنوده يتعرضون للاذلال والقتل والاعتقال ويلوذ بالسفارة الفرنسية ليبدأ منفاه القسري في فرنسا الذي استمر حتى عودته عام 2006.

واليوم حقق عون حلمه الكبير ليصبح رئيساً للبنان بعد 26 سنة من الانتظار وثلاث سنوات من اختطافه لمقدرات لبنان ومستقبله وأمنه بفرضه وبتعاون مع حزب الله الايراني فراغاً دستورياً في كرسي الرئاسة تحت شعار: “يا عون رئيس يا ما في رئيس.”
تُرى ماذا ينتظر لبنان من مفاجآت بعد وصول شخص بمواصفات عون إلى سدة الرئاسة؟ هل ينبغي علينا تهنئة اللبنانيين بانتهاء الفراغ الدستوري أم الصلاة الى الله أن يحمي لبنان من خطر شخصية ميشيل عون الجدلية الانفصامية بلا منازع.

كان على سعد الحريري أن يفسر موقفه التي استغربه حلفاؤه قبل غيرهم. فكيف له، وهو يختلف مع عون في كل سياساته وولاءاته – في موقفه من حزب الله، ومن سوريا، ومن إيران، ومن الكثير من القضايا الداخلية الخدمية والاجتماعية والمصيرية، أن يبابعه الرئاسة ويقبل أن يتشارك معه الحكم كرئيس للوزراء. ابن عراب الطائف يريد أن بتشارك مع عون عدو الطائف لانقاذ الطائف. عون الذي رفض الطائف ولم يعترف به ولاحق موقعيه، يأتي اليوم رئيساً ليحكم وفقاً لاتفاق الطائف!

سعد الحريري هو السياسي اللبناني الوحيد الذي لم تتطلخ يداه وأيدي والده الشهيد من قبله بالدماء. عمل الشهيد رحمه الله على انهاء الحرب اللبنانية وكان عراب الطائف. ولكن كان عليه للأسف أن يتعامل مع أمراء الحرب الذين يتربعون اليوم على كراسي المسؤولية في لبنان وهم اللاعبون على الساحة السياسية الحزبية في بلد اعتاد أهله كما في سائر البلاد العربية على أن يكونوا أتباعاً للزعيم لا للوطن. نبيه بري وسمير جعجع وميشيل عون جاؤوا من العدم ليصبحوا اليوم من أصحاب البلايين من أموال جمعوها من دماء الشعب اللبناني وتضحياته. صقور ووحوش دموية متوحشة همها الأول مصلحتها الشخصية لا مصلحة الوطن.

السؤال لسعد الحريري، الذي يريد انقاذ لبنان؛ كيف سيتعامل مع صقور السياسة والاجرام هؤلاء؟
أجرى مرسيل غانم الاعلامي المخضرم مقابلة مع الرئيس سعد الحريري في لقاء استثنائي في برنامج كلام الناس على قناة “الإل بي سي اللبنانية” دام ساعتين قبل الانتخابات بيومين، كان فيه غاية في الصراحة.

أبرز الأسئلة التي تطرق إليها الإعلامي مارسيل غانم في حواره مع سعد الحريري هي:

لماذا سينتخب العماد ميشال عون لرئاسة الجمهورية؟ ماذا بعد الانتخابات؟

وهل حسمت رئاسة الحكومة للحريري؟ ما هي العقبات؟ أين سورية؟ أين الخليج؟

وأين الغرب؟ بماذا يطمئن الحريري الشارع ولماذا أتى وماذا سينجز؟

وفيما يلي رابط المقابلة بالكامل:

ارتأت الأيام أن تختار من المقابلة أبرز المقاطع التي وردت في الحوار والتي تخص الشأن السوري…

1. هل اتفقت مع الجنرال عون على كيفية حل موضوع دخول حزب الله إلى سوريا؟

أجاب الحريري: أنا ضد كل شيء يقوم به حزب الله في الخارج. حزب الله عندما دخل إلى سوريا لم يسأل حلفاؤه ولا حكومته! هذا يعني أنه ارتكب بدخوله خطيئة. نحن نريد تحييد الدولة اللبنانية عن الصراع، ممنوع استخدام المؤسسات في أي تدخلات في الدول العربية.حزب الله هو من سيدفع الثمن آجلاً أم عاجلاً، وأنا لا يمكن أن اوافق على هذا الموضوع.

نحن تحملنا الحصار كدولة لبنانية من قبل المملكة العربية السعودية والامارات، وعانينا بسبب حزب الله، والدولة اللبنانية هي من تدفع الثمن؟ إن الدولة اللبنانية تدفع هذه الأثمان بسببحزب الله، ويجب على جميع الناس أن يعلموا هذا الشيء.

2. أنتم كحكومة لبنانية إذا دول الخليج طالبتكم بموقف، ماذا ستفعلون؟

الحريري: نحن في الحكومة اللبنانية قرارنا واضح، و نرفض أي تدخل بأي شأن عربي أو خارجي والوزير جبران باسيل وزير الخارجية قال: “أي تدخلات قي أي مكان في المحيط العربي لن نوافق عليه”، والجنرال عون لم يؤيد وجود حزب الله في سوريا (الأيام:الحقيقة أنّ العماد عون أيد ذلك). هو لديه حليف اسمه حزب الله هذا شأنه، لكن في نهاية المطاف فيما يخص مصلحة لبنان واللبنانيين الجنرال عون حريص على مصلحة اللبنانيين في كل مكان.

3. نحن دخلنا على خيار انتحاري عندما دخلنا بمواقفنا بالموضوع السوري وأخذنا مواقف، وكنا بانتظار أن يسقط النظام، ولكنه لم يسقط حتى الآن؟

الحريري: نظام الأسد سقط، وبشار الأسد الآن لا يحكم شيء في سوريا، وعاجلاً أم أجلاً سوف يترك بشار الأسد سوريا، هو الآن يستطيع أن يقتل فقط ولكن الشعب السوري سوف ينتصر في النهاية. ولا يجب على حزب الله أن يقوم برهانات في سوريا ويقول إنه ذاهب لسوريا لكي يقدم خدمة لهذا النظام.

4. الجنرال عون يقول أنّ حزب الله مقاومة لبنانية تقوم بدورها الدفاعي عن لبنان بوجودها في سوريا، أيها المسيحيون أنتم مهددون ولولا وجود حزب الله عند الحدود لكان مصير المسيحين في لبنان كمصير مسيحيين نينوى هل توافق؟

الحريري: كلا لا أوافق، لأن الجيش اللبناني هو من يحمينا عند الحدود اللبنانية.

5. يقال من بين التفاهمات مع عون ألا يزور سوريا، وألا يقوم باتصالات علنية مع بشار الأسد هل تعتقد أن هذا المعطى يسهل انطلاقة العهد الجديد؟

الحريري: نحن اتفقنا على تحييد لبنان من كل الصراعات في المنطقة، وانا قلت في خطابي نحن مستعدين أن نعيد العلاقات بيننا وبين سوريا عندما يتفق السوريين على نظامهم الجديد. والجنرال عون سوف يرى أين مصلحة الدولة.

6. إذا جاء موفد رئاسي سوري لتهنئة الرئيس في بعبدا، هل تعارضون؟

الحريري: أكيد أنا أعارض، وموقفي فيما يخص سوريا واضح، ونحن كلبنانيين عانينا من النظام السوري بما عانينا فيه. والجنرال عون من أكثر الناس الذين عانوا من النظام السوري، وموضوع النظام السوري مرفوض بالنسبة لي.

7. سعد الحريري رئيساً للحكومة وميشال عون رئيساً للجمهورية، يريد بشار الأسد أن يقوم بزيارة قصر بعبدا؟ ماذا ستفعلون؟

الحريري: انا واضح في موقفي تجاه موضوع سوريا وعلينا تحييد لبنان من كل الصراعات، وإنني أدع هذا الشيء للجنرال عون هو من يأخذ هذا القرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.