فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

الدم السوري غير مباح…

على مدى عقود والعالم يعيش من أقصاه إلى أقصاه حملة عالمية شاملة تدعو الشعوب إلى الانتفاض والثورة في سبيل الحرية والديموقراطية. وقد شهد العالم أجمع سقوط الأنظمة الشيوعية في أوائل التسعينات من القرن الماضي وما رافق ذلك من دعم دولي سريع وفاعل حظيت به شعوب الدول المنتفضة في أوروبا وآسيا أدّى إلى حقن دماءها وإسقاط ديكتاتورياتها وطغاته بالعشرات.

انتفض الشعب السوري منذ ما يقارب العام بعد أن قضى 50 عاماً في ظل حكم دكتاتوري، قمعي، فاشي تفنّن في قمع الشعب وقتله وانتهاك حرمات حرائر الشعب وأطفاله وشيوخه. حكم عصابة عائلية فاشية بامتياز تمادت في سرقة ثروات الوطن ونهب خيراته وتدمير  اقتصاده. حكم أمعن في اتتهاك أبسط حقوق المواطنة التي شرعتها القوانين العالمية لحقوق الإنسان.

قدمت الثورة السورية مثالاً نموذجياً عن الكيفية التي ينبغي أن تكون عليها ثورة الشعوب المتحضرة. رفعت الثورة منذ يومها الأول رايات السلمية والوحدة الوطنية واللاطائفية وإعطاء الأقليات حقوقها، ونادت بالحرية والديموقراطية والاصلاح السياسي وتطبيق قوانين حقوق الانسان وإتاحة الفرص لكل مواطن سوري للمشاركة في بناء وطنه ونماءه على أساس المهنية التخصصية وتكافؤ الفرص لا على أساس  التمييز بحسب الانتماء الحزبي أو التبعية الطائفية أو الفئوية أو الاثنية أو العشائرية.

ردّ النظام الطاغي المجرم بالإطلاق العشوائي للرصاص وتعذيب الأطفال والقبض على المُدَوِّنات والقبض على الآلاف. ردّ النظام بدفع الأمن والجيش إلى الشوارع وتشكيل ميليشيات الشبيحة الذين اقتحموا المدن وقتلوا الأبرياء ومثلوا بجثثهم واغتصبوا النساء والرجال والأطفال على السواء. ردّ النظام بارسال كتائب جيشه من المرتزقة والتابعين بأسلحتهم الثقيلة لقصف المدن والأحياء الآمنة دون تمييز ولم تتوان هذه الكتائب عن القيام بأي عمل إجرامي لزرع الرعب في قلوب الثوار. فعل النظام ما لم تفعله إسرائيل على مدى تاريخها الأسود.

سكت العرب دهراً وكأن ما يجري في سوريا لا يعنيهم من قريب أو بعيد. وطالعنا رئيس أمريكا ووزيرة خارجيته وبعض الموظفين في إدارته بتصريحات متناقضة ومتعاكسة وضبابية وكأن الإدارة الأميريكية لا يعرف يمينها ما يفعله يسارها. وانبرت كلّ من فرنسا وتركيا لمساندة الثورة بالتصريحات والخطابات والكلام….وبس… وسكتت الدول الأوروبية الأخرى وكأنها حذفت سوريا عن خارطتها كما فعل المعلّم بها. كشر الروس والصين عن أنيابهم فهم مرضعوا الطفل المدلل بشار وتعهدا بالدفاع عن جرائمه وحماية حكمه على حساب دماء الشعب السوري وحقوقه وأحلامه. وهاجت حكومات الدول المجرمة الأخرى كإيران والجزائر والسودان ولبنان ومن يدور في فلكهم، كالضباع لتحتفل بدماء الثوار التي سالت شلالات في كل المدن السورية. أمّا اسرائيل وهي الأهم فهي الداعمة الخفية لبقاء النظام بانتظار إيجاد بديل يضمن لها من جهة حدودها الشمالية كما كان الحال مع النظام الأسدي العميل، ويبرهن من جهة أخرى على قدرته على السيطرة على الموقف العسكري وترسانة الأسلحة الكيميائية والبيولوجية الفتاكة التي يخزنها النظام. والجميع إمّا صامت أو متلاعب.

النظام يلعب على الزمن… فهو يراهن على كسب الوقت على أمل تغيّر البيئة السياسية العالمية بانهماك أمريكا وفرنسا في انتخاباتهما الرئاسية وتفاقم الأزمة الاقتصادية الأوروبية، واقتراب ايران من تصنيع القنبلة النووية وما نتج عنه من خلاف اسرائبلي أمريكي على كيفية التصرف حيال ذلك. فعلى المرحلة القصيرة يلعب الوقت في مصلحة النظام: المزيد من القتل، المزيد من الاعتقالات، المزيد من الارهاب حتى يتمكن من الثورة وقياداتها الحراكية الثورية على الأرض ويدفع بها إلى اليأس والخضوع للأمر الواقع وقبول الحوار مع السلطة القائمة بشروط ومفاهيم تنسجم مع تفكير الأسد ورؤيته.

من ناحية أخرى، الثورة تستمر بطولية على الأرض والثوار يقدمون التضحيات يوماً بعد يوم من دون حساب. وقرار اسقاط النظام مهما كانت الخسائر قد اتخذ دون رجعة أو تردد. الجيش الوطني الحر اشتد عوده واستطاع تحرير الزبداني وأعلنها أولى المناطق المحررة في سوريا وسوف يعلن قريباّ مناطق أخرى محررة يقال أنها قد تقلب الموازين على الأرض. المجلس الوطني الحر وهيئات المعارضة الأخرى ما زالت تتخبط في صراعات داخلية واتهامات متبادلة وصلت من بعض أركان المعارضة ورموزها المدافعين عن حقوق الانسان إلى الابتذال في التعبير مما يدفع المرء إلى التقزز والخوف على الثورة ومسارها.

إلى الجامعة العربية وأمريكا واوروبا نقول: كفاكم إعطاء الفرصة تلو الأخرى لهذا النظام المجرم للتمادي في قتل شعبه. وكفاكم ابتكار المبادرات الجوفاء التي لا طائل منها. فمن يريد أن يرى جرائم النظام غير المسيوقة في تاريخ البشر كان الحري به أن يفعل حتى الآن. إنّ مجازر النظام الأسدي المجرم واضحة للعيان وموثقة بوسائط مختلفة، وإرسال لجان لتقصي الحقائق أو المراقبة ما هو إلاّ إضاعة للوقت وتصريح أعمى بالقتل المنهجي الهمجي للشعب السوري البطل يعطى للنظام للاستمرار. إذا كان نشر الحرية والديموقراطية في المنطقة هو هدفكما فهو قابل للتحقيق من خلال الشعب السوري فقط فهو الذي أخذ المبادرة وهو يقدمهما لكم على أرض سوريا الحرة البطلة في مرحلة مفصلية تاريخية لا يمكن تجاهلها. الدم السوري غير مباح يا سادة والثورة لن تغفر لمن يتآمر عليها.

وإلى روسيا وغيرها من الدول المارقة نقول، لن تغفر لكم طواطؤكم على قتل الشعب السوري وتسليحكم لجلاديه. مازال بامكانكم استدراك مواقفكم المخزية والتراجع عنها. الدم السوري غير مباح يا سادة والثورة لن تغفر لمن يتآمر عليها.

وإلى اسرائيل نقول، السلام يتحقق مع الشعوب لا مع العملاء فالشعوب هي الأبقى والعملاء إلى زوال. الدم السوري غير مباح.

وعلى رأس الجميع نقول للمعارضة المشرذمة والمجلس الوطني الهزيل: كفوا أيديكم عن التلاعب بمصير شعبنا، فضريبة إرهاقه ستكون غالية على الجميع. الثورة سوف تنجح بمشيئة الله وبإرادة ثوارها الأبطال. توقفوا عن مهاتراتكم الجوفاء المبتذلة، لقد أعطاكم الشعب الثائر ما احتجتم من وقت لكي تظهروا فاعليتكم، والآن طفح الكيل. عليكم أن تتحدوا وتأخذوا بأيديكم زمام المبادرة وتتوقفوا عن التبعية والوصولية فالعالم لا يحترم الضعفاء والمذلولين والمنقسمين، الحري بكم أن تدركوا أنّ العالم لا يحترمكم وغير مقتنع بكم وبأدائكم وأنّ الثوار لن يمهلونكم أكثر من ذلك. حان الوقت أن تتحدوا وتتوقفوا عن التسابق والتصارع على مراكز واهية ومكاسب آنية على حساب دماء شعبنا الأبي. الدم السوري غير مباح يا سادة والثورة لن تغفر لمن يخذلها.

وإلى الجيش الوطني الحر نقول: بارك الله بك وبشجاعة أبطالك ووطنيتهم، امضوا للمزيد من الأراضي المحررة، وحّدوا صفوفكم واحموا شعبكم من بطش القتلة والمجرمين. كونوا على مستوى المسؤولية ولا تنقسموا وقاتلوا بشرف ولا تنتقموا بل اعطوا العالم دروساً في الحرية والوطنية والشموخ وعاملوا هؤلاء الضالين المجرمين والمرتزقة من الجيش الأسدي بما توليه عليكم ضمائركم وطبقوا قوانين حقوق الانسان وتذكروا أن الأعداء متربصين بكم لنعتكم بالارهاب. علّموا مرتزقة الطاغية أنّ الدم السوري غير مباح.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.