فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

الثورة السورية بين الأصدقاء والأعداء…

عُقد المؤتمر الثاني لأصدقاء سورية في بداية هذا الشهر في بيئة يمكن أن يقال عنها ببساطة بأنها أبعد ما تكون عن الصداقة أو مفهومها المتآلف عليه. فالصديق الذي يريد مساعدة صديقه يحنو عليه ويتفهم حاجاته ويدرس مطالبه ويحاول أن يساعده على تحقيقها خاصة إذا كانت هذه المطالب شرعية ومحقة. على الصديق أن يكون منفتحاً على صديقه، صادقاً معه، يسعى إلى تأمين أولوياته الحرجة لينتقل بعدها إلى حل مشكلنه. الصديق لا يضع على صديقه شروطاً مسبقة قبل اسعاف حالته الآنية التي سببت أصلاً اللجوء إلى الصديق لطلب العون. الصديق الوفي قد ينصح صديقه أو حتى يؤنبه لدفعه إلى تصويب مساره كجزء من الحل لا كشرط له.

من ناحية أخرى على الصديق الذي يطلب العون من صديقه أن يدرك امكانيات من يمد له يد العون وظروفه وأن يكون واعياً إلى درجة كافية ليوفر له ما يسهل عمله ويمكنه من مساعدته. لا أن يقوم بتفكيك صفوفه إلى عدد من المجموعات المتناحرة لا تسمح للصديق أن يعرف من أين يبدأ بالمساعدة.

انعقد مؤتمر أصدقاء سورية 2، وسط آمال كبيرة كانت معقودة عليه ليكون حدثاً مغيراً في مسيرة الثورة السورية الباسلة، غير أنّ الأطراف المؤتمرة كانت تقف على بعد ملحوظ فيما بينها. من جهة، جاء اصدقاء سوريا وهم يتوقعون أن يروا معارضة موحدة، وميثاق عهد وطني لما بعد الأسد موقعاً منها يضمن حقوق الأقليات ووثيقة سياسية تشرح رؤية المعارضة لنظام الحكم بعد سقوط الأسد وعلى رأسه توضيحات لأهم الملفات الاقليمية (الموقف من اسرائيل، العلاقة مع ايران وحزب الله)، وورقة استراتيجية سياسة عن توجه الادارة السورية على المستويين العربي والدولي. من ناحية أخرى اختلفت المعارضة السورية على كيفية الاتفاق، بل لنكون أكثر دقة تصارعوا على كيفية الاتفاق وانتهوا متفرقين مشرذمين كما كانوا، فدخلوا المؤتمر بشاكلة باهتة لم تقنع أحداً من الأصدقاء وسط تهليل الأعداء.

أما أعداء سوريا وعلى رأسهم النظام المجرم الخبير في اللعب مع الكبار وكسب الوقت والرهان على المتغيرات السياسية، فقد نجح في شل مجلس الأمن الدولي والحد من فاعلية التدخلات الأممية وبرهن للعالم أن شبكة الدفاع الاستراتيجي التي كان النظام قد أسسها خلال 50 عاماً هي شبكة فاعلة بل حصن منيع أبقاه في السلطة حتى الآن: الاتفاق الاستراتيجي العسكري مع روسيا، التوأمة السياسية مع طهران، الارتباط والتشارك التجاري والاقتصادي مع بعض النافذين في دول الخليج العربي، السيطرة على لبنان من خلال حزب الله ذراع إيران وخنجره المثبت في الخاصرة العربية، التحالف المشبوه مع جزء من النظام العراقي، وعلى رأس ما سبق توفير أمن إسرائيل وخيانة الوطن.

بين الأصدقاء والأعداء، بدأت الثورة السورية عامها الثاني وهي تلهث وراء بريق أمل يصدر عن مؤتمر أصدقاء سوريا. فبينما قدم الأعداء للنظام كل ما يحتاجه من مساعدات دبلوماسية وسياسية وعسكرية ولوجستية ومالية وتموينية متغاضين عن كل ما قام به هذا النظام المجرم من قتل وبطش وتنكيل واستخدام للأسلحة الكيميائية وتدمير المدن وانتهاك قدسية الجوامع والكنائس والآثار، انكفأ أصدقاء الثورة السورية ليقدموا أقل من القليل لدعم ثورة الأبطال، ثورة الحرية والحضارات، ثورة الفداء والوطنية. تمويل رواتب الجيش الوطني الحر، تأييد مبادرة كوفي أنان والجميع يعرف أنّ هذه المبادرة لن تقدم إلى الثورة الحل المنشود بل هي إضافة إلى ما سبقها من مبادرات غايتها كسب الوقت أو إضاعته حتى تنضج الصراعات الدولية والاقليمية فتسمح بإغلاق الملف السوري الذي أصبح للأسف ورقة سياسية على طاولة الكبار.

الثورة السورية ملف سياسي سمح مراهقو المعارضة للدول الكبرى والنظام أن يجعلوه أحد أهم الملفات الاقليمية والدولية على طاولة الصراع العالمي القائم على توزع النفوذ وتأمين المصالح عدا مصلحة الشعب السوري.

الطريق لاسقاط النظام حتمي ولكنه طويل على حساب دماء وتضحيات شعبنا الأبي ويعتمد أولاً وأخيراً على سرعة انهاء سياسيو المعارضة لفترة مراهقتهم السياسية

 

فهد ابراهيم باشا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.