فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

الإعصار الأخلاقي المدمر والديمقراطية الهزلية في أمريكا

على مر العقود السابقة، كانت الولايات المتحدة الأمريكية تُسوّق صورتها على أنها دولة الديمقراطية وحصنها؛فهي الدولة التي تخوض الحروب في سبيل مساعدة شعوب العالم على نيل الحرية وبناء مجتمعات مثقفة مؤمنة تتمسك بالأخلاق والقيم واحترام حقوق الانسان والدفاع عن المرأة وتحقيق المساواة وعدم التمييز بين الأعراق.

شهد العالم هذا العام مسلسل انتخابات رئاسة الجمهورية الأمريكية لعام 2016 الذي تميّز بصراعات المرشحين حول مبادئ تختلف تماماً عن تلك التي ذكرت أعلاه. فبدلاً من أن يتنافس المتنافسون على تقديم برامج سياسية واقتصادية ومجتمعية وتعليمية وبيئية، يتناقشون حولها؛ قام المرشحون بمهاجمة بعضهم البعض وتبادلوا الشتائم والفضائح الأخلاقية والشخصية.

لأول مرة برزت حقيقة المجتمع الأمريكي، فهو مجتمع عنصري عنيف يتمسك بالتسلح. مجتمع يحتقر المرأة ويصنفها في مستوى أدنى. مجتمع فاشي يؤمن بتفوق الأجناس، ويحلل السرقة والاحتيال ويعتبرهما ذكاء وعبقرية. مجتمع يشكل 40% منه شريحة تماثل أخلاقياتها المرشّح الجمهوري الملياردير دونالد ترامب الذي ولد وفي فمه ملعقة من ذهب. ورث ترامب عن أبيه 40 مليون دولار فقط استثمرها في مجالات مختلفة أهمها  الاتجار بسوق العقار وبناء الكازينوهات بشكل مثير للجدل لينجح في جعل ثروته اليوم تقدر ببلايين الدولارات على الرغم من أنه أعلن خلال العشرين سنة الماضية افلاس أربعة من شركاته المشبوهة.

قامت “الواشنطن بوست” و “الس إن إن” يوم الجمعة بنشر تسجيل صوتي وفيديو لدونالد ترامب يتحدث فيه مع أحد المقربين منه بيل بوش عن كيفية محاولته إقامة علاقة جنسية مع إحدى زميلات الصحفي وهي الشقراء “نانسي أوديل” وهي إمرأة شقراء جميلة متزوجة وأم. استخدم ترامب الفاظاً بذيئة تقشعر لها الأبدان يتباهى بها كونه رجل مشهور بسهل عليه التعدي على النساء وإقامة علاقات جنسية معهن وكيفية فعل ذلك. في هذا الشريط أثبت ترامب من جديد أنه لا يمتلك الجد الأدنى من المقومات الأخلاقية التي تؤهله للترشح إلى الانتخابات ودخول البيت الأبيض كرئيس أكبر دولة في العالم.

نشر هذا الفيديو قبل يومين من أهم مناظرة تلفزيونية سوف تقام مساء التاسع من شهر أكتوبر في جامعة واشنطن وهي المناظرة التلفزيونية الثانية في سلسلة من 3 مناظرات سوف تجرى قبل توجه الناخبين الأمريكيين إلى صناديق الاقتراع في الثامن من تشرين الثاني القادم.

انقسم أقطاب الحزب الجمهوري وسناتوراته نتيجة هذه التصريحات، خاصة وأنّهم كانوا يعيلون أهمية كبيرة على هذه المناظرة بسبب خسارة ترامب في المناظرة الأولى التي أقيمت في 26 أيلول في نيويورك بنسبة كبيرة لصالح كلينتون بلغت (62% لكلينتون إلى 34% لترامب) حسب استطلاعات الرأي. فقد سحب الكثير منهم تأييدهم لترامب وطالبوه الانسحاب من السباق الرئاسي لصالح نائبه “بنس” ولكن ترامب رفض ذلك وقال أنه لن يخذل الناخبين الذين أولوه ثقتهم. غير أنّ قيادات الحزب الجمهوري سوف تتنافس مع الديمقراطيين في شهر تشرين الثاني القادم أيضاً على مقاعد الكونغرس في نفس وقت الانتخابات الرئاسية؛ وبالتالي فإنّ ارتباطهم الأخلاقي بـ”دونالد ترامب” قد يفقدهم أصوات الناخبين.

يعتبر هذا الحدث من أهم وأخطر أحداث الانتخابات، كما ستكون المناظرة الرئاسية الثانية مساء التاسع من تشرين الثاني أهم مناظرة رئاسية في تاريخ الولايات المتحدة والأكثر مشاهدة إعلامياً على المستويين المحلي الأمريكي والعالمي.

ترى ماذا يُخبّئ الأسبوع القادم من تطورات للحزب الجمهوري في هذا السياق. هل سينقسم الحزب وينفرد ترامب بترشيح نفسه دون حزبه معتمداً على مؤيديه الذين لا يقلون عنه تعصباً وفاشية وسوقية؟

من دون أدنى شك تعتبر الانتخابات الرئاسية الامريكية هذا العام فريدة من نوعها في تاريخ أمريكا، انتخابات ستكون عبر التاريخ عاراً يلحق بمن يدعي بأنه نصير الديمقراطية وصاحب المثل العليا في العالم – الولايات المتحدة الأمريكية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.