فهد ابراهيم باشا

Fahed Bacha

أكراد سوريا ودورهم البارز في رسم خريطة سوريا المستقبل

منذ الأشهر الأولى لاندلاع الثورة السورية، برز على السطح عدد من الصراعات بين مكونات الشعب السوري العرقية والقومية وبين الأكثرية العربية، في سياق تصور خاطئ بأنّ النظام سوف يسقط بسرعة كما سقطت مثائله في تونس وليبيا ومصر. أراد كلّ فريق من الأفرقاء اقتسام الكعكة السورية واستعادة حقوق المكوّن الذي ينتمي اليه والتي منعت عنه ظلماً وعدواناً لعقود مضت. بدأ ذلك منذ تشكيل المجلس الوطني وتلاه فيما بعد في كل اجتماع أو مؤتمر عقدته ما سمي خطأ “بالمعارضة السورية” في تغييب قسري لمسمى الثورة السورية.

من ناحية أخرى ومنذ اليوم الأول للثورة بدأ النظام بشكل موازٍ، بالتخطيط لزرع الفتنة الطائفية بين مكونات المجتمع من الديانات والطوائف المختلفة وترهيب أفرادها بعضهم من بعض، مستخدماً اعلامه المبتذل وتصريحات رموزه، إضافة إلى الكم الكبير من المجازر الوحشية التي ارتكبها شبيحته وحلفاؤه، والتهجيرالقسري الذي اعتمده وفقاً لخطة ممنهجة تهدف الى إعادة توزيع سكاني لم يكن الاول الذي قام به في المناطق والمدن والقرى السورية، خلال حكمه على مدى الخمسين سنة الماضية.

في ظل ما سبق نجح النظام بتغييب الشعور الوطني والانتماء لسوريا الوطن، وتعزيز الانتماء الاثني والقومي والديني والطائفي والقبلي والعشائري تماماً كما كان يفعل الاستعمار الأجنبي. فغياب الانتماء الوطني يسهل على النظام استخدام مختلف وسائله لتأجيج الصراعات الداخلية بين مختلف الأفرقاء وبالتالي السيطرة عليهم من خلال إظهار نفسه بأنه الحامي الوحيد لهم الذي يمكنهم الاعتماد عليه.

اليوم! تشهد الثورة في عامها الخامس تطوراً خطيراً للأحداث – ما زال يسير في الاتجاه ذاته – ويتعزز في غير صالح الوحدة الوطنية التي هي مفتاح الحل للشعب السوري لاسقاط حكم الأسد، وهو الطريق الوحيد الذي يمكن من خلاله توحيد الطاقات والامكانيات لتجاوز المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام، والقيام بالمصالحة الوطنية وبناء سوريا المستقبل التي تحقق آمال شباب الثورة وتؤمن حياتاً كريمة وشريفة لأجيال الشعب السوري الواحد من أي ملّة كانوا.

بعد كل هذه المعاناة التي ما زالت مستمرة والتي قد تستمر لعدة أعوام قادمة، على الشعب السوري أن يعي أن خلاصه يكمن في وحدته وانتمائه الوطني ونبذه لانتماءاته الأثنية والفئوية والدينية والطائفية الأخرى، والتي ينبغي أن يوظفها لاغناء الأرث التاريخي والثقافي لمكوناته وترسيخ التعايش السلمي وتعزيز المشاركة في بناء الوطن وخدمته بالارتكاز على معيار واحد لا ثاني له هو أهلية الفرد وخبراته المهنية.
تطالعنا الأخبار يومياً بانتصارات تحققها قوات بركان الفرات وعلى رأسها قوات حماية الشعب الكردية في الشريط الحدودي الشمالي لسوريا دفاعاً عن المدن السورية القريبة من الحدود التركية ضد هجمات داعش التي أمست وسيلة ارهاب وحشية تقضي على التراث الحضاري والتعايش السلمي وكل ما يمت الى الحضارة الانسانية بصلة.

إلاّ أن هذه الانتصارات شوهتها أخبار التهجير القسري والازاحة الممنهجة للعرب من قراهم وسط أصوات اعلامية وفكرية أثنية تروج لشرعية هذه الممارسات لأنّ عدداً من هذه القرى هي بالأصل نشأت عن هجرة عربية في مراحل سابقة مختلفة من حكم الأسد.

هنا أدعو جميع المفكرين والقيادات صاحبة القرار قراءة التاريخ بإمعان، وتحليل واقع الصراع الاستراتيجي الحالي القائم في المنطقة. فالتاريخ يطالعنا بأن كل المؤامرات التقسيمية التي مرّت علينا في المنطقة ارتكزت على زرع الفرقة وتأجيج الصراعات الدينية والطائفية بين مختلف المكونات السكانية التي لو اتحدت لشكلت أرثاً حضارياً جعل من شعوب المنطقة شريكاً حقيقياً في بناء الحضارة العالمية الحديثة. كذلك، يطالعنا التاريخ بأنه خُطّط بدقة وإتقان على زرع الفتنة والخوف وعدم الثقة بين مختلف المكونات العرقية والدينية في الشرق الاوسط وأفريقيا ودول الخليج لتسهيل السيطرة على مقدراتهم والتحكم بمستقبل المنطقة السياسي والاقتصادي. وبالتالي، حان الوقت لنتعلم من التاريخ بأنّ لغة الاقليات والأكثرية في مجتمعاتنا هي لغة خاطئة ينبغي استبدالها بالانتماء الوطني الذي يعترف بحق العدالة والمساواة بين جميع المكونات وحقهم المطلق في المشاركة في تحرير الوطن وبناؤه والسكن فيه دون أي تمييز، وأن قوة الأكثرية بمتانة لحمتها مع شركاءها من الاقليات الأخرى وما توفره لهم من غطاء حضاري مبني على احترام حقوقهم والتعامل معهم كشركاء لا تابعين في وطن واحد اتسع للجميع على مدى الوف السنين وسيبقى كذلك. لاينبغي أن نقيّم حق السوري في وطنه اعتماداً على جذوره العرقية أو الدينية أو الطائفية أو القومية بل بالكفاءة التي يمكنه أن يقدمها إلى وطنه.

أمّا القراءة الثانية التي أدعو الوطنيين السوريين والعقلاء من الأخوة الكورد في سوريا إلى التركيز عليها تتمثل بأنّ الدولة الكوردية المنشودة لم تحن لحظتها التاريخية بعد، فإيران وتركيا هما جزءاً مهماً من القوى الاقليمية التي ستكون لاعباً أساسياً في خريطة الشرق الأوسط الجديد، وهاتان القوتان لن تسمحا أبداً للشعب الكوردي بتشكيل كوردستان الكبرى في الوقت الحاضر، وبالتالي القوى العالمية التي تخطط للمنطقة اللآن تستخدم الأكراد، كأداة مؤقتة لتنفيذ مخططاتها بإعادة تشكيل المنطقة مقابل منح..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.